كثيرًا ما نحاول التركيز على تجنب الأفكار السلبية خاصة تلك التي تأتينا في المناسبات المهمة، لنجد أن هذا الجهد المبذول لتجنبها قد جذبنا إليها أكثر! وكأن محاولاتنا في إسكاتها زادتها صخبًا، بل ومنحتها طاقة أكبر لتطاردنا.
إذا دخلت مطعمًا وطلبت من النادل أن يرشّح لك شيئًا فأجاب ”متطلبش الطبق المميز مش هيعجبك، ممكن تطلب حاجة تانية“ بماذا ستفكر؟
غالبًا أول فكرة ستخطر بعقلك أن تطلبه وستبدأ في طرح أسئلة لم تأتِ لتسألها، لماذا يمنعني من طلبه؟ كيف يبدو مذاقه؟ لو كان سيئًا لهذا الحد لماذا تُرِكَ في قائمة الطعام؟ وإن كنت محبًا للمغامرة فعلى الأرجح سينتهي بك الأمر تحمل فاتورة كبيرة يعلوها ”وجبة الطبق المميز“.
هذه هي الآلية التي تعمل بها الدماغ، وهي الآلية ذاتها التي تذكرك بذلك الموقف المحرج الذي حدث لك أمس كلما أجبرت نفسك ألا تتذكره.
لفهم ما نقوله لأنفسنا أو يُقال لنا تقوم الدماغ أولًا بتصوره (وضع صوره للجملة) لتستطيع فهم ما يجب فعله. لذلك عندما تقول لنفسك ”اوعى تغلط في البرزنتييشن بتاعة بكرا“ تبدأ دماغك في رسم صورة لهذه الجملة لتتمكن من استيعابها، تبدأ بـ”اوعى“ لكن ليس لها صورة، فالنفي والنهي (مثل لا تفعل، لا تفكر، لا تلعب …) لا يملك صورة بمفرده، لذلك يحتاج العقل أولًا أن يتصور الفكرة غير المرغوبة ليستطيع تصور ما هو عكسها، فيبدأ بتخيل صورة الكلمة التي تليها ”تغلط“، ويبني مشاهد مثل:
- بينما تشرح نظرية هامة تتلعثم في مصطلحاتها ويضحك الجميع
- تسترسل في نظرية ما لتجد أنك استشهدت بها في الجزء الخاطئ
- يظهر التوتر على حركة يديك ونبرة صوتك فلا تتمكن من إيصال ما تريد
- يسألك بعض الحضور أسئلة في متن ما تشرحه لكنك لا تعرف الإجابة
وغيرهم الكثير والكثير من الصور التي لا نهاية لها والتي يمكن أن نصف أيًّا منها بـ”الغلط“.
هنا تبدأ الخطوة الثانية وهي إدخال النفي أو النهي على الفكرة وعكس صورتها. تُعتبر هذه الخطوة سهلة عندما تكون هناك صورة محددة للنفي فنتمكن سريعًا من عكس الفكرة وفهمها:
- ”ماتفتحش الشباك“ => الدماغ يتصور الشباك المفتوح أولًا => يحاول إدخال النهي عليه وتخيل الصور المتاحة لتوضيح ”ماتفتحش“ فترتسم صورة الشباك المغلق داخله فيتمكن من تحديد وفهم ما هو المطلوب فتتجه أنت بعقلك وجسدك لتحقيق هذه الصورة وتذهب لغلق الشباك.
إذًا ما الذي يجعل هذه الخطوة صعبة وقد يوقفها؟
- التوتر والضغط النفسي => إن كنت متوترًا بسبب البريزينتيشن فهذا قد يجعل دماغك من الأساس غير قادر على الوصول للخطوة الثانية ويتوقف عند الأولى، وإن دخل الخطوة الثانية يجعله غير قادر على التركيز في استخراج الصورة المعكوسة النهائية. فنفس الجملة البسيطة ”ماتفتحش الشباك“ وأنت متوتر قد تجعلك تفتحه على مصراعيه لأن عقلك لم يستطع تصور النفي بشكل صحيح.
ومثلًا إذا كان لديك اجتماع هام مع المدير وكل ما تكرره لنفسك ”ماتقولهوش على المشكلة اللي حصلت، ماتقولهوش، اوعى…“ كمية التوتر التي تجتاحك على الأرجح ستجعلك تسرد كل تفاصيل الأمر أمامه. - ألّا تكون هناك صورة محددة للنفي:
- ”اوعى تغلط في البرزينتيشن“ => يبدأ الدماغ بتصور أشكال مختلفة لل ”غلط“ ثم يبدأ بتخيل نفيه ليجد أنه ليس هناك صورة محددة لذلك النفي ! يجب ألا تتلعثم، وألا يختلط عليك ترتيب الاستشهادات، وألا يظهر توترك للحضور، وأن تجيب على كل الاسئلة وووو..
- يستمر العقل في محاولة إنتاج صور مختلفة وقد تكون مخيفة أكثر وغير منطقية دون أن يستطيع الاستقرار على واحدة فيزداد الضغط والتوتر ويعلق في هذه الخطوة أكثر كلما زاد تركيزه في تصور المزيد من صور ”الغلط“ أولًا لنفيها لاحقًا لتبقى آخر صورة محددة التفاصيل استطاع الوصول إليها هي صورة ”الغلط“! لتتجه أنت بعقلك وجسدك لتحقيق هذه الصورة.
ولأن عملية معالجة الدماغ لصيغ النفي ليست فعالة في كثير من الأمور يجب حل هذه المشكلة بتجنب استخدام النفي عديم الصورة واستبداله بصور بسيطة محددة.
فمثلًا بدلًا من ”اوعى تغلط في البريزينتيشن“ يمكن استبدالها بـ:
- ”محتاج اتعمق أكتر في الريسورسز واعرف عن الموضوع عشان ابقى مستعد لكل الأسئلة“
- ”يلا نتدرب كذا مرة على اللي هنقوله عشان نقلل التوتر وعشان نحفظ المصطلحات والترتيب ونركز في طريقة الكلام“
وبدلًا من ”ماتفكرش في الموقف المحرج“ قد تذكر نفسك بموقف آخر جيد أو تفكر في ”هنعمل اية في كذا….“. دائمًا اختر له بديلًا محددًا عن التفكير في الفكرة التي تريد تجنبها.
هذا ما يجعل الاستراتيجية الأفضل لصياغة ما تريد فعله هي الجمل الواضحة البسيطة التي لا تحمل صورًا عديدة داخلها، ليستطيع عقلك تخيلها وبالتالي تكون الصورة التي تسعى لتحقيقها هي الصورة التي تريدها حقًا.