⁠الخامسة عصرًا
٦٩٣ كلمة

إن كنت تعرفني بشكل شخصي، سواءً كان من خلال صناعة المحتوى أم من خلال عملي في قطاع التكنولوجيا، ستجد أنه من الصعب جدًا عليك أن تصدق أنني كنت أعمل في يوم من الأيام في تجارة أحذية الأطفال. منذ أن تخرجت من كلية الهندسة وبدأت العمل في الشركات التكنولوجية، كان دائمًا لديّ عمل آخر أقوم به إلى جانب عملي الأصلي.

تنوعت تلك الأعمال ما بين تجارة الأحذية أو المطاعم وبعض الأشياء الأخرى التي ليس هذا هو المجال لذكرها.

كنت ما زلت في العشرينات من عمري عندما أقدمت على العمل في تلك التجارة، وفي ذلك التخصص المحدود أو القليل أو الصغير، سمّه كما تحب أن تسميه. صناعة أحذية الأطفال في مصر يغلب عليها الطابع الشعبي؛ الورش التي تتمركز في باب الشعرية وبعض التجار الكبار سنًا ومقامًا. وبكل تأكيد، لم يكن من بينهم أحد في العشرينات من عمره.

ولكني التقيت في ذلك المجال بـالحاج طاهر. نعم، هذا اسمه الحقيقي، وسأحتفظ بلقبه لنفسي. تاجر كبير سنًا ومقامًا، في عمر والدي أو ربما أكبر. كان هو الآخر يعمل في تجارة أحذية للأطفال كتجارة جانبية إلى جانب عمله الأصلي في إدارة تجارة كبرى في الإسكندرية.

نشأت بيننا علاقة ودّ عميقة، واحتضنني الرجل كأحد أبنائه. تعلمت منه الكثير، وتحمّل هو مني الكثير من الأخطاء التجارية بصدر رحب. عندما أتذكر بعضها الآن أتعجب كيف لم ينتهِ بي الحال بالإفلاس على أقل تقدير، أو متهمًا في قضايا شيكات في أسوأ الأحوال.

بفعل طبيعة تلك التجارة، كان النشاط التجاري يتسم بـالموسمية: نشاط مكثف في رمضان والأعياد ودخول المدارس، وركود كبير في كافة الأوقات الأخرى. بسذاجة الشباب وأحلام الثراء، ظننت أن دخل التجارة مستمر في كافة الأوقات، فكانت تصيبني فترات ممتدة من الضغوط على الأموال، وعلى الدخل، وعلى استمرارية ذلك النشاط التجاري بكليته.

مرة تلو الأخرى، يلاحظ الحاج طاهر ذلك التغير الكبير في مزاجي العام، خاصةً إذا التقى بي في أوقات الركود. مرة تلو الأخرى يستفسر عن سبب الوجوم الذي يعتريني، ويتجاهل في أحيان أخرى. إلى أن فاجأته بعد عام ونصف من معرفتنا ببعضنا البعض أنني أفكر جديًا في إغلاق تلك التجارة.

شرحت أسبابي وطموحاتي، وكيف أنني لم أستطع أن أبني حول دخلي من التجارة دخلًا مستمرًا يساعدني على الارتقاء بمستوى معيشتي. وهنا قال لي الحاج طاهر مقولة نُقشت في عقلي إلى هذا اليوم: ”تحرك أنت إن توقف السوق“.

أخذ الحاج طاهر في الإسهاب في معنى تلك الجملة، وشرح بأمثلة كثيرة كيف يتصرف التاجر الشاطر إذا قلّت أعداد الزبائن المترددين على تجارته. وفي حديث استغرق ربما الساعة، تلقيتُ أنا درسًا في فنون التجارة لا يستطيع أن يقدمه أعتى رواد الأعمال في العالم.

لفت نظري الحاج طاهر يومها إلى أن الأسواق في بلدنا، مصر، متسعة ومختلفة، ولا تتمركز جميعها على أنماط عيش أهل القاهرة. اقترح عليّ أنني إذا كنت أعاني من صعوبة في تسويق منتجاتي داخل القاهرة لتجار القاهرة في توقيتٍ معين، فمن الأفضل أن أبحث عن تجار آخرين في مدن أخرى، كـالمنصورة أو طنطا أو المحلة.

فأنماط الاستهلاك، وإن كانت تبدو في ظاهرها ثابتة في دولة واحدة، فإنها في حقيقتها تختلف اختلافًا كبيرًا بين محافظة وأخرى تبعًا للعادات والتقاليد. انطلقت أنا في الشهور التالية، في فترة الركود التي كنت أعاني منها في تلك اللحظة، فوجدت تجارًا في مدن مجاورة.

انطلقت بسيارتي أطرق الأبواب، ولم أكن أعرف أحدًا في تلك المدن. بحثت في الشوارع عن محلات أحذية الأطفال، وعرضت بضاعتي عليهم، وفي أسابيعٍ قليلة أصبح لديّ تدفق مستمر من المبيعات من خمس مدنٍ أخرى. مرت بعد ذلك أربع سنوات أخرى، وانتهت قصتي مع تجارة الأحذية بلا خسارة تُذكر، ونحمد الله على ذلك.

ظل الدرس عالقًا إلى يومنا هذا، وأنا أعمل في مجال آخر، تجارة من نوع مختلف. أعمل اليوم في مجال المبيعات في قطاع التكنولوجيا. عندما تتعثر الكثير من الفرص أو المشروعات، أتحرك أنا لأبحث عن أخرى حتى تعود تلك المشروعات إلى الحياة مرة أخرى.

عندما أتكاسل عن التدريب في الجيم على الأوزان بشكل منتظم، أتحرك أنا مرة أخرى وأحاول أن أستبدل ذلك بالمشي أو الركض أو التنس.

إن شعرت أن علاقتي فترت، ولو لفترة قصيرة، مع زوجتي وبناتي، أتحرك أنا وأقوم بأنشطة أخرى تجمعنا سويًا، على خلاف ما نقوم به في أيامنا العادية.

إن استشعرت أن الأفق الوظيفي يضيق بي وبدأ الملل يتسرب إليّ، أبادر بالتعرف على أناس آخرين في مواقع مختلفة، لعل ذلك التقارب يُثمر فرصًا جديدة.

الحركة بركة كما يقول أسلافنا. إن توقف محيطك عن الدوران فلا تتوقف أنت عن السير، ولو في اتجاهات معاكسة جديدة.

شارك