⁠الخامسة عصرًا
٥٣٣ كلمة

لو تجسد الغد في ملامح بشرية، لظهر لي كشخص بوجه منحوت من حجر، تعلوه ”حواجب كثيفة ومطبقة“؛ قناع عابس لا يتحرك، يرمقني بنظرات تشبه شفرات حادة، نظرات تفيض بالتهديد وتطالبني بحساب خطيئتي قبل أن أرتكبها.

لهذا، لا أرى غدًا كصفحة بيضاء واعدة، بل أراه شخصًا غامضًا، جادًا جدًا، ورأسماليًا حتى النخاع؛ شخصًا يجلس وراء مكتب فخم، لا تعنيه مشاعري، ولا يبالي إن كنت حزينًا أم قلقًا، بل يمسك بآلة حاسبة ويطالبني كل ليلة بديون والتزامات مالية واستراتيجية لست مستعدًا لها بعد.

هذا الشبح أقنعني أن قيمتي الوحيدة تكمن في رصيدي البنكي، وفي قدرتي على تأمين المستقبل المادي، وأنه لا وقت للحب، أو الروقان، أو الالتفات للقلب؛ المهم فقط هو الركض خلف ما نظن أنه سيجلب السعادة والراحة لاحقًا.

وهذا هو التشوّه الكامل لقلق المستقبل؛ أن يتوقف غدك عن كونه غيبًا ننتظره، ليصبح ماكينة رأسمالية عملاقة تبتلع الحاضر، وتطالبك بدراسة كل فكرة وقرار تحت بند ”المنفعة“، ضاربةً بروحك عرض الحائط.

إنه عملية ابتزاز علنية تُمارس ضد لحظتك الحالية

تحولت حياتي إلى يوم لا يطاق.

أستيقظ وأنا أفكر في العقود، المشاريع، والتأمين المادي.

أتحرك بدافع الخوف لا الشغف، خوف من أن يأتي يوم لا أجد فيه ما يكفي لشراء رغباتي.

الغريب أنني أضحي باللحظة الحالية، أرفض الاستمتاع بفنجان قهوة في هدوء، وأتوقف عن عيش علاقات حقيقية بحجة أنني ”مش فاضي ولازم أأمن نفسي“، ركضًا وراء وهم كبير يقول إن الأموال وحدها هي من ستجعل حياتك أفضل.

وهو محق في جزء منه، فالواقع لا يرحم، لكن اللعنة الحقيقية لهذا الشبح ليست في مطالبته بالمال، بل في ”الخديعة“ التي يمارسها علينا؛ إنه يقنعنا بأن هذا العذاب مؤقت، وأننا بمجرد أن نصل لـ ”الرقم السحري“ في حسابنا البنكي، ستلين ملامحه ويمنحنا صك الغفران لنبدأ في الحياة.

لكن الحقيقة التي نكتشفها بعد كل جولة احتراق ذهني هي أن هذا الكائن الرأسمالي لا يشبع، وكلما قدمت له تضحية من وقتك، أو صحتك، أو قلبك، التهمها وطلب المزيد، معيدًا رسم حاجبيه الثقيلين بصرامة أشد، مستمرًا في ابتزاز حاضرك.

لقد عشت شهورًا أظن أنني لو ركزت على المادة بالكامل سأشتري الأمان، والآن أكتشف أن الخوف من الفقر جعلني أفقر إنسان على وجه الأرض؛ غنيًا بالأرقام، ومفلسًا تمامًا من الدهشة وخفة الروح.

أنا لا أقول إن الحل هو الاستسلام التام وتجاهل متطلبات الواقع، فهذا تسطير طفولي للأزمة.

الحل يبدأ من نزع ”القداسة العاطفية“ عن هذا الشبح البارد.

الغد ليس إلهًا نعبده بالتضحيات اليومية، بل هو مجرد يوم آخر سيأتي بما فيه، ولا يحق له أن يبتز سلامنا الحالي.

الآن، أحاول بالطريقة الصعبة أن أضع حدًا لهذا الابتزاز؛ سأمنحه ساعات العمل المطلوبة، وسأخطط للمشاريع بعقل بارد، لكنني لن أترك له مفاتيح قلبي مجددًا ليحاكم بها أحقيتي في الهدوء أو الحب.

سأجلس لأشرب فنجان قهوتي الصباحي ببطء متعمد، مستمتعًا برائحته، وسأعتبرها معركتي الصغيرة ضد تسليع الوقت.

سأفتح الباب لعلاقات حقيقية وكلمات صدق لا منفعة مادية من ورائها، لأنني أدركت أن النجاة ليست في أن نصل لخط النهاية بجيوب ممتلئة وقلوب ميتة.

الحياة أعقد من أن تُختصر في معادلة، وأجمل من أن تُعاش وفق قواعد رقمية جامدة.

أنا إنسان؛ مليء بالأخطاء، والتناقضات، والمساحات الواسعة من الرمادية.

قررت أن أعيش حياتي بالحدس الإنساني العفوي

أعمل لأجل غدٍ أفضل، دون أن أسمح له بأن يشنق يومي الحالي على حبال مخاوفه، وبدلًا من إرضاء شبح يجلس خلف مكتبه، اخترت أن أصافح الإنسان الذي في مرآتي الآن، بكل لخبطته وسعيه الصامت.

سأحافظ عليه بكل قوتي.

شارك