في الأساطير، حذر ديدالوس ابنه إيكاروس من التحليق مرتفعًا بالقرب من الشمس، فتجاهل الابن النصيحة، وحلق منتشيًا، فأذابت الشمس بحرارتها الرقيقة جناحيه، فسقط في البحر غريقًا، صريع طموحه وفقيد أمله..
تلك هي عقدة إيكاروس، وهذه ضريبة الآمال الطموحة..
في عالمنا، تنتشر الكثير من الأقاويل عن تجارب الاقتراب من الموت، يصف كل من اختبرها ممرًا مظلمًا في نهايته ضوء ساطع يخطف الأبصار، يتحدثون عن ظهورات وتجليات لوجوه من الماضي، وعن أيادي تستقبلهم بابتسامات، ترشدهم بحفاوة تجاه الضوء..
ولكن قبل الوصول يظهر لهم الشخص المختار، المنتظر، الوجه الأكثر ألفة وقرابة، يلقي عليهم تعويذة البقاء، ويخبرهم بأن موعد الرحيل لم يحن بعد، ويربط على قلوبهم، ويوجههم للعودة، عندها يستيقظ الشخص ويعود للواقع مكرهًا.
تلك هي تجربة الاقتراب من الموت التي يتحدث عنها الجميع، ولكننا هنا اليوم لنتحدث عن تجربة أخرى أشد قسوة وأكثر تكرارًا..
هل سمعتم من قبل أحد يتحدث عن تجربة الاقتراب من الفوز؟
ذلك الممر المضيء، الخيالي، اللامع، ذو الجدران البراقة المكونة من فلاشات الكاميرات، العدسات الموجهة كأعين ضخمة تتطلع في شغف، وعود الشهرة، ومنصات التتويج المزينة، القريبة على مرمى البصر، وجوه الأساطير السابقين، المهنئة، والمشجعة على الاستمرار، عقارب الوقت المتواطئة، المتباطئة، تأبى المرور، والنهاية المتباعدة، المظلمة، الغامضة.
عند تلك اللحظة يظن الشخص بأنه ملك كل شيء، وحاز ما لم يحز غيره، وبات المجد قاب قوسين أو أدنى.. هنا تحديدًا، تتعالى ضحكات القدر الساخرة، تختفي الأضواء تدريجيًا، تلتفت عدسات الكاميرات لتواجه نجمًا آخر، أكثر جاذبية، وأكثر حرارة، ينهار المحيط اللامع، ينتشر الظلام النابع من النهاية ليعم الأجواء، تختفي أحلام الخلود، ويرحل الأساطير، ولا يبقى إلا الواقع من جديد، فيعود إليه الشخص مكرهًا، مصدومًا، مدحورًا..
من ضمن علامات النضج في عالمنا، هو أن يصبح شعور خيبة الأمل مألوفًا، وأن تنمو لديك القدرة على التعامل مع تجارب الاقتراب من الفوز بذكاء ومرونة، تقابلها بهدوء، وصمت وقور يليق بعقل ناضج وقلب محطم، عارف ببواطن الأمور.
تبتسم بهدوء، تجلس قليلًا تلملم آثار الحلم المبعثرة، تحاول تجميعها وتكوين صورة جميلة في إطار مظلم، وتعلقها في مساحة الذكريات والأحلام الضائعة بداخلك، في نصب تذكاري كئيب تزوره كل فترة، ثم تقوم بهدوء لتواصل حياتك ولا تنتظر سوى مرور الوقت أملًا في التعافي..
تخرج من الحالة أكثر قسوة، لا يتعلق قلبك بأمل، ولا تتمنى حلمًا، ولا تسير خلف سراب إلا وأنت تعلم أنه سيزول كلما اقتربت..
في عالمنا يتحدث الجميع عن تجربة الاقتراب من الموت وأثرها الكبير والدائم على النفس والروح، ولا أحد يتحدث عن تجربة الاقتراب من الفوز، وما يتبعها من انهيار تام، للأمل، وللحلم، وموت مؤكد للقلب ونهاية تراجيدية للأسطورة..
تجربة الاقتراب من الموت، نادرة، واحدة لا تتغير، ولا تؤدي إلى موت حتمي..
تجربة الاقتراب من الفوز، تتكرر كثيرًا، لها ألف وجه، جميعها تؤدي إلى موت حتمي، وروح هائمة، وحلم ضائع..
صور مختلفة لعشم موءود، وسراب جميل، لا يجوز له التحقق.. وقدر معطل تحاربه فيزياء الكون.. وأمنية لا ترتقي لتصير واقعًا..
ولا يليق بها إلا ابتسامة هادئة، والتسليم باستحالتها، والرحيل في سلام..