تعرفنا الجمادات أكثر من البشر، نعاملها بلا قيدٍ أو تحفظٍ أو كلفة، سلوكنا معها هو ما يُريحنا أن نسلك لا ما ينبغي أن نكون ولا ما يُتوقع منَّا أن نفعل، لأنها بضع ذرات متلاصقة ترفع عنَّا بجمودها الظاهر حرج التوقعات المُرهق.
بشكل شخصي، تؤكد لي تلك الجمادات كل يوم أنها أكثر بكثير من ذرات صلبة، وكثيرًا ما تتراءى أمامي كيانات ذات روح، تتشكل بينها وبين أرواح الناس علاقات تعرف ما تعرفه علاقات الناس بالناس من ألفة وتعلُّق ووفاء وبغض وضجر وخيانة.
السيارة المعروضة للبيع بعد سنوات رافقت فيها صاحبها دروبه تتبدل ملامحها الباسمة إلى أخرى دامعة، نصل السكين الأكثر حدَّة في المنزل يفقد كل حِدَّةٍ تميزه عن سكين ألعاب الأطفال المطبخية فورما يفلت باتجاه أصابع يد يألفها.
مفاتيح البيانو متوهجة البريق تغشاها الكآبة إذا ما هُجرت ولو حال غطاؤها بينها وبين الأتربة، المكتبة بعد وفاة صاحبها تخلع ثوب الوقار والحكمة وتضع بدلًا منه ثوبًا باليًا كأثواب الدراويش، وتُلقي عن أرففها هيبتها لتفسحها لليأس وحده فلا تجذب إليها أحدًا.
كذلك القلم الذي يحترمه صاحبه فلا يسطر به إلا صدقًا، أراه يتحرك على الأوراق بانسيابية يشحُّ بها على غيره لا يحترمه، والباب الذي اعتاد أن يُغلق بعنفٍ وشدة يغلق نفسه خلف معنِّفيه بشدة مماثلة كأنه يقول ”إلى الجحيم!“ بدلًا من ”مع السلامة“.
والمرآة التي تبتسم في وجهٍ وتبصق في آخر، ناهيك عن الساعة التي لا يسع ذاكرتك بالطبع أن تحدد بدقة كم مرة تعطلت عقاربها عند لحظة مهمة في حياتك.
جنون؟! ربما، ولكن هذا ما أعتقده وأشعر به منذ الطفولة؛ ولأجل ذلك اعتذرت لفستانٍ فضلت عليه غيره لنزهة اليوم التي انتظروها معي جميعًا.
وأدركت حين بدأ قلمي بالزمجرة على الورق وحبره بعدُ لم يفنَ أنّي لابد قد انتقصت منه فاقتصّ مني بالثقل، واستسمحت كتابًا جذبني غيرُه عنه ثم عدت إليه فعاقبني بتكثيف أحداثه وتبخير الأركان المبنية عليها من ذاكرتي.
وكثيرًا ما مازحت مكتبي والمقعد بأن يصمدا معي أمام سيل أوراق الكيمياء الجارف، واعتذرت منهما بأن هذه مرتي الأخيرة في تأجيل عمل اليوم إلى الغد.
ويبدأ فصلٌ جديدٌ فأعاود التأجيل للغد وبعد الغد، حتى إذا احتدم الأمر واستدعى تدخلًا عرقلني المقعد في طريقي للمكتبة خلفه بصورة أسمع معها قوله ”هنا كتب أدعي أن تفتحيها!“.
بين صديقاتي المقربات أتخفف أحيانًا من عناء السيطرة على الأمر، تسمعني واحدة منهن أستأذن كرسي المقهى في الجلوس، تظنني أستأذنها فتسمح لي، أجلس مبتسمةً بينما أحاول كتم الحقيقة.
نعم، هو جنون، يطمئنني قليلًا ما أكده لي أبي أكثر من مرة مازحًا من أن الحديث إلى الأشياء طبيعي، ولا ينبغي أن نقلق قبل ردّ واحد من الأشياء عليّ.
وصحيح، هو ثقل فوق ثقل البشر على البشر، ولكن كل الثقل يتبدد دفعةً واحدةً مع نوبة حزنٍ توشك أن تفتك بك؛ فتكتشف بها ما لك عند ”الأشياء“من رصيد يغفله البشر، حين تشعر بالجمادات مجتمعةً تضمُّك كأنها تهمس في أذنك برسالة ربانية ”لست وحدك!“.