فقد كان الجدار هو ما يتكئ عليه أثناء مذاكرته، كان أيضاً مرماه الذي يسجل فيه الأهداف، وأول شيء تقع عليه عيناه عندما يصحو من النوم لأعوام.
لكن بالنظر لاعتبارات لوجستية ومنطقية كثيرة يعلمها الجميع فلا يمكنك أن تنقل جدران منزلك القديم إلى مكان آخر.
شعرت بالحزن قليلاً بسبب ضيق جيب بنطالي الذي لن يتسع لعديد الأشياء ومنها الجدار، كبرت وصار جيبي أضيق لأنني أصبحت أحمل فيه موبايل ومفاتيح المنزل ومحفظتي.
ولأنني شخص يعيش أوقاتاً تسيطر عليه الرغبة في تكديس الأشياء وأحياناً أخرى يتملكه السعي الحثيث للتخلص منها، إلا أنني لم أتنقل كثيراً بين البيوت التي عشت فيها خلال حياتي.
لكن في تلك المرة التي قمت فيها بتوديع أحد الأماكن التي قضيت فيها طفولتي كاملة داهمتني وقتها غصة شديدة في صدري ومازلت أشعر بمرارة تلك اللحظات حين أتذكرها رغم انقضاء 15 عاماً على ذلك.
قادتني الصدف إلى السهر والحديث قبل أيام ليست ببعيدة مع أشخاص لم أكن أعرفهم حق المعرفة إلا قليلاً، وعلى الرغم من كوني شخصاً حذراً يأخذ وقته في التعرف واستكشاف الأفراد الجدد، وجدت شيئاً ما في هذه الجلسات العابرة.
شعرت بآخرين من حولي يمكنهم أن يكونوا جزءاً مما ينبغي لي حمله في جيبي والذي أعرف أنه لن يتسع لذلك.
عندما نمر بأشخاص أو أماكن، فإننا ننعكس عليهم وينعكسون فينا؛ نترك في زوايا الغرف صدى أحلامنا، وفي ثنايا القلوب التي عبرناها وروداً أو ندوباً، وهم في المقابل يصيبوننا بعدوى الأُلفة، تلك الحالة التي تجعل انفصالك عن جدار أصم أشبه بعملية بتر جراحي.
كيف يمكن لشخص ما أن يفعل هذا بأية حال؟ كيف يمكننا المضي قدماً بظهورٍ مفرودة، بينما قلوبنا تجرُّ خلفها مدناً وحيوات كاملة، بشوارعها، برائحة أرصفتها وبوجوه العابرين الذين لم نقل لهم وداعاً؟
كيف يمكننا نقل جذورنا من تربة ألفنا الوجود فيها؟ الحقيقة أننا لا نترك الأماكن، نحن فقط نغير ما نراه من حولنا، بينما تظل الأماكن والأشخاص يسكنون فينا.
يأبى بعض الأماكن والأشخاص الخروج من جيوبنا مهما حاولنا إفراغها. يلاحقنا ذلك في صورة ذكرى لدعابة عابرة، أو في نبرة صوت مترددة، أو في لون باهت بفعل عوامل الزمن على أحد الجدران.
إن السعي نحو الخفة في التنقل هو كذبةٌ نرددها لنقنع أنفسنا بأننا بخير. الحقيقة أننا نحمل شحنات هائلة من الحنين، نضعها سراً تحت وسائدنا في البيوت الجديدة، لعلها تتحول إلى جذورٍ وهمية تمنحنا شعوراً مؤقتاً بالانتماء.
الذاكرة ثقيلة، ثقيلة لدرجة أن المشي بها لمسافات طويلة يستهلك من عمرنا أكثر مما تفعل الأيام نفسها. إنها لا تشبه الذهب الذي ”خفّ وزنه وغلا ثمنه“، بل أميل لوصفها أنها أشبه بشيء يمنحنا الثبات لكنه في الوقت ذاته يمنعنا من التحليق.
جيوبنا، التي ضاقت بالمفاتيح والموبايلات ليست هي العائق، بل العائق هو ذلك الجيب الخفي داخل الروح الذي كدسنا فيه ملامح من نحب، وصوت الجار الذي كان يسعل في الصباح، وملمس الخشب القديم في خزانة ملابسنا الأولى.
لقد صار هذا الجيب مترهلاً، يشدنا نحو الأرض كلما حاولنا القفز نحو بداية جديدة.
علمتني تلك السهرات العابرة مع الغرباء أن الجدار ليس حجراً، بل هو الأمان الذي نخلعه على الأشياء. وأن هؤلاء الأشخاص الذين لم نكن نعرفهم، سكنوا في جيوبنا لأنهم ببساطة ذكّرونا بأجزاء منا كنا قد أضعناها في بيوتنا القديمة.
ربما يكمن السر في ألا نحاول حمل الأشياء، بل في أن نتقبل أثرها.
أن نكون كشعر قطتي الذي يلازم ملابسي أينما ذهبت؛ لا يثقل كاهلي أبداً، لكنه يذكرني بوجود كائنٍ ما يشاركك هذا الوجود.
لقد أحببت التنقل بخفة، لا يعني هذا عدم حمل أي أغراض ثقيلة، لكني بقيت أتنقل حاملاً ذكرياتٍ وأشخاصاً وأماكن لم تعد كما هي؛ أظنني أضع جزءاً من روحي داخل الأشياء التي ألفتها لكني أجد نفسي حائراً حول كيفية اصطحاب هذه الأشياء في جيبي.
المأساة ليست في ضيق جيوبنا، بل في اتساع ذاكرتنا. نحن كائنات مصممة لتخزين المعنى في المادة، وعندما تضيع المادة، الجدار، البيت، المدينة، يظل المعنى معلقاً في الفراغ، يبحث عن جيبٍ يتسع له.
في نهاية المطاف، سنظل نتنقل، وسنظل نحمل معنا بقايا الأماكن والأشخاص كطبقات ذاتية غير مرئية. لا يهم كم هو ضيق جيبك، فما يستحق البقاء لن يأخذ حيزاً مادياً، بل سيتحول إلى طيف خفيف يضيء لك عتمة المسافات بين ما كنت عليه، وما ستصبح عليه في منزلك القادم.
إن الخفة الحقيقية ليست في إفراغ الجيوب، بل في التصالح مع فكرة أننا متآلفون مع كل ما مررنا به.
فاحمل جدارك في قلبك، ودع جيبك للمفاتيح، فالمكان الذي تسكنه روحك لا يحتاج إلى لوجستيات لنقله، إنه ينتقل معك بصمت، كظلك الذي لا يتركك أبداً مهما اشتد الزحام.