الثانية ظهرًا
٥٦٨ كلمة

طالما نظرت إلى أفكاري كالدخيل، يترك العقل أبوابه مفتوحة فتتخلله بلا حول مني ولا قوة، وهذا بالنسبة لي كان التفسير الوحيد المنطقي لتنوعها وتناقضها في ذات الوقت، فلا يمكن أن يكونوا جميعًا من ذات المنبع، وبالتالي لم أكن أدرك تأثيرها.

زائر يأتي ويرحل، يعبث بعقلي ويمنعني من النوم أحيانًا، لكن في كل الأحوال ليس لي تحكم فيها، ولا لها سلطة علي، ”علاقة من طرف تالت“.

حتى قرأت عن تأثير الأفكار على المشاعر وكيف تؤثر تباعًا على قراراتنا، ومن هنا بدأت علاقة جديدة مع العقل فيها نظرت له بعين الاحترام لدوره، لكن ذلك لم يدم طويلًا.

بعد فترة زارتني فكرة تسخر مني قائلة:

”لو عقلك هو مصنع الأفكار يبقى كل الحاجات السيئة اللي مش بتخليكي تنامي دي جايه من جواكي.“

جلست وقد طار النوم من عيني أتأمل السقف، أحادثه فلا يجيب:

”ليه مش عارفة أبطل أفكر في أسوأ حاجة ممكن تحصل؟“

”ليه مش عارفة اتحكم في الحاجات اللي بفكر فيها؟“

التساؤلات والتأملات مع الوعي بأصل وفصل سوداويتي لم تشفني منها فأتحول لشخص ناضج رائع يمتلك زمام الأمور.

بقيت كما أنا، لم أتغير، تزورني الكثير من الأفكار بتنوعها وتناقضها، تأتي وتتبخر، تصيبني بالصداع وتمنعني من التركيز في أهم مهامي وتشتتني بين الطرق.

فأظل أراقبها من برجي العالي، متمنية لو ”أمسكها أرنها علقة“، وعندما تصيبني نوبات القلق، يأتي الصوت المتعالي اللامبالي ليضيف:

”إيه اللي هيحصل يعني لو حصل أسوأ حاجة؟ عادي كله هيعدي، فكك.“

لا أرد عليه، أتجاهله وأمسك بيد قلقي حتى يهدأ.

هكذا كان الحال حتى أنعمت علي السوشيال ميديا بقراءة مقال عن مصطلح الـ ”Decatastrophizing“ أي الحد من التهويل، وهي تقنية ضمن العلاج المعرفي السلوكي، دورها كسر دوامة الأفكار عن طريق تقييم احتمالية حدوث الشيء المخيف فعلًا.

ومعها نكتشف سيناريوهات بديلة، والأهم أننا نضع خطة للتعامل مع أسوأ سيناريو حتى لو حدث.

فقررت أعطيه فرصة للتجربة، ومع أول نوبة قلق، وصوتي الداخلي يخبرني بأن أسوأ سيناريو حتمي ويقترب مني مع كل نفس، ولا مفر منه، وطبعًا من المؤكد أنه عندما يحدث سينهار العالم.

وجدتني لأول مرة أشك:

”العالم فعلًا هينهار؟ شكلك ما بتشوفيش الأخبار، العالم أصلًا منهار.“

وكأني زغزغت القلق.

دخلت في نوبة ضحك، متحلية بمقولة كاتبتي المفضلة رضوى عاشور:

”هذه السخرية كانت درعًا من نوع ما، إزاء خطر قررت أن أفضل أسلوب لمواجهته هو التصغير من شأنه.“

بعدها تذكرت الطريقة وحاولت التفكير في سيناريوهات أخرى، جعلت خيالي يعمل في طرق متعددة.

ماذا لو؟

وجدتها بعد صعوبة، فلقد كان العقل متشبثًا بالرداء الأسود ولا يريد تغييره، فأخبرته أننا سنجرب الكحلي.

لن ننتقل للفواتح بعد الشر.

كنت لا أزال أشعر بأن الأسوأ أكثر منطقية وأقرب للحدوث، فلجأت للخطوة التالية:

”ولو حصل الأسوأ.. هنعمل إيه وقتها؟“

وتركت القلم يكتب الخطة، سنقوم بفعل كذا، ومن بعدها كذا لنقلل من سوء الوضع، وفي النهاية سيكون الوضع سيئًا لكن ليس كارثيًا، وسيكون متحملًا حتى يأتي وقت وتدخل الشمس من جديد.

ونردد مع فيروز:

”فيه أمل! إيه فيه أمل“.

لم تساعدني تلك الحيلة في كل المرات، أحيانًا لم يتحمل عقلي وضع خطة، وشعر بسخافة الأمل ولام علي تمسكي به.

يكفيني أنها ساعدتني لمرات، وللوصول إلى إدراك أن لكل مرة خصوصيتها، ويجب التعامل مع الأفكار والمشاعر المصاحبة لها برحمة.

نحتضن الهلع فنستطيع تثبيت أقدامنا على الأرض حتى لو لم تكن ثابتة للحين.

هذه ليست حكاية بنهاية سحرية، لذلك ظلت الأفكار السوداء تزورني كعادتها.

لكن من وقتها أصبحت مع كل فكرة مسيطرة تجذبني لتسيطر علي، أكشف لها عن سلاحي وأقول بثقة:

”ماذا لو حدث أسوأ ما نتخيل؟!“

فإذا منعتكم الأفكار من النوم يومًا لنحاربها بهذا الشك وغيره من الأسلحة.

ربما ”بكرا بيخلص هالكابوس وبدل الشمس تضوي شموس“.

شارك