استمع إلى أنغام وهي تقول: (علشان يوم ما تفكر تبعد أو تنساني متلاقيش اللي انت لقيته ترجعلي تاني) فأقف عند الجملة كأنها ليست مجرد أغنية تمر، بل فكرة تستوقفني وتفتح بابًا داخليًا لا يُغلق بسهولة.
وأبدأ أفكر في أنماط حبي للرجال… هل أعطيهم قيمة هائلة، وحبًا مفرطًا، واهتمامًا زائدًا، فقط كي لا يتخلوا عني؟ هل يتحول الحب عندي في النهاية إلى محاولة غير معلنة لضمان البقاء؟
كأن الفكرة ليست الحب نفسه، بل أثره. وكأن عليّ دائمًا أن أترك شيئًا واضحًا، لا يمكن تجاوزه بسهولة… كي لا يصبح الرحيل بسيطًا.
ذلك يشبه شرائي لتلك المنتجات المكثفة للرموش… لا أتوقف عن استخدامها، أعود إليها دائمًا. ليس لأنها ضرورة حقيقية، بل لأنني حين أتخيل التوقف عنها أشعر أن هناك شيئًا ينقص ملامحي، كأن الكثافة التي صنعتها أصبحت جزءًا من ”أنا“ التي أراها وأعتادها. ولو اختفت، أشعر أنني أخفّ مما يجب… أقل مما أستحق أن أبدو عليه.
وأعود مرة أخرى لأنغام وهي تقول: (نفسي أحبك حب تاني… حب يخلي غرورك يعلى يعلى…) وأقف عند كلمة ”تاني“ تحديدًا، كأنها ليست تكرارًا بل محاولة لإعادة تعريف الشعور نفسه.
هل أفعل ذلك كي أجعلهم يستشعرون قيمتهم من خلالي، ومن خلال ما أقدمه من أجل الحب؟ أم أن الأمر لا يتعلق بهم أصلًا، بل بي أنا… وبالخوف الذي لا يُقال من فكرة أن الحب إذا لم يكن زائدًا بما يكفي، فلن يُلاحظ، أو لن يُحفظ، أو لن يُخاف عليه؟
لا أعتقد أن الأمر له علاقة بكوني شخصًا مميزًا كما قد يبدو من الخارج، لكن له علاقة أعمق بـنمط التعلق. فكلما زاد التعلق بالشخص، زاد التمسك به، وزادت الأشياء التي أقدمها دون حساب، كأنني أُراكم حضوري حتى لا أُستبدل بسهولة، أو أُنسى بسرعة.
أظل أعطي… وأعطي… وأستمر في العطاء حتى أصل إلى نقطة لا أجد فيها ما يمكن تقديمه أكثر. ليس لأنني وصلت إلى الاكتفاء، بل لأنني استُنزفت بصمت، دون أن أشعر في البداية.
وفي تلك النقطة تحديدًا… يحدث شيء غريب. لا يكون هناك انهيار واضح، ولا مواجهة كبيرة، ولا حتى لحظة درامية. فقط إدراك داخلي هادئ جدًا: أنني أعطيت أكثر مما يجب، وأن ما تبقى مني لا يكفي حتى لاستمرار التوازن.
هناك… أجد نفسي وحيدة، ألتقط الفتات الذي تبقى مني، وكأنني أتعرف على نفسي بعد أن فقدت كثافتها الأولى.
ثم أرحل. بلا رجعة. ليس غضبًا، ولا انتقامًا، ولا رغبة في إثبات شيء. بل كأن الرحيل نفسه يصبح النتيجة الطبيعية بعد الامتلاء الكامل من الاستنزاف.
وأعود لأنغام مرة أخرى وهي تقول: (نفسي تعشق كل لحظة تعيشها جنبي وتفتكرها يعني أسيبلك ذكريات… مستحيل تنساها بغيرها) فأفكر بهدوء: هل كنت أعيش الحب… أم كنت أعمل على صناعة أثر لا يُنسى بأي ثمن؟
وكأن هناك دائمًا ”حبًا ثانيًا“ بداخلي… حبًا مختلفًا، فولاذيًا، لا يظهر إلا بعد أن ينتهي كل شيء. لا يبالغ في العطاء، ولا يطارد البقاء، ولا ينهار حين يختفي الآخر.
فقط يقف… ويكتفي. ويفهم متأخرًا أن الحب الذي يستنزف كل شيء… لا يترك شيئًا ليُسمى حبًا في النهاية.