المسرح ممتلئٌ كعادته، الأضواء مسلّطة على الخشبة، والتصفيق يعلو كلما أُتقن إخفاء الشقوق جيدًا.
يقولون بإعجاب: ”إنها شاطرة.“ وأبتسم ساخرًا من الكلمة.
لأن الناس يحبّون من يُجيد أداء الحزن، لكنهم لا يحبّون الحزين نفسه.
يصفّقون من مقاعدهم الوثيرة، ثم يتركون أصحاب العروض وحيدين بعد النهاية، كأنهم جزءٌ من الديكور لا أكثر.
ربما لهذا يبدو بعض البشر كأنهم ناجون بالخطأ.
وصلوا متأخرين عن الطمأنينة، وعن تلك الخفة التي تجعل الآخرين يعبرون الأيام دون أن يبتلعهم التفكير.
وكانت النظرات تحمل دائمًا ذلك النوع البارد من الرحمة…
الرحمة التي لا تُربّت على الجرح،
بل تُشعرك أنك مختلف بطريقة مرهقة،
كأنك مشروع نجاةٍ لم يكتمل كما ينبغي.
يتصرف الناس أحيانًا كما لو أن الحزن قرار،
وكأن أحدًا يختار أن يعيش بهذا الثقل كله.
لكن بعض الأرواح تولد بـحساسيةٍ زائدة عن احتمالات العالم، ترى ما يجب تجاهله،
وتفهم أكثر مما ينبغي،
ثم تقضي عمرها كله تحاول النجاة من هذا الفهم.
يهبط الليل ببطءٍ مقصود، كأنه يعرف طريقه جيدًا إلى الصدور المتعبة.
تسكت المدينة، وتبقى دقات الساعة وحدها، واضحةً حدّ التهديد.
دقّة… ثم أخرى… ومع كل دقّة
يتّسع القلق كما تتّسع دوائر حجرٍ أُلقي في ماءٍ راكد.
لا أحد يعرف متى يتحول الإنسان من شخصٍ يحلم كثيرًا، إلى شخصٍ يخاف من أحلامه نفسها.
في الشرفات المطلة على البحر، تقف أرواح كثيرة وتحدّق طويلًا في الظلام،
لا لأنها تنتظر شيئًا، بل لأنها تجد نفسها فيه أكثر مما تجدها بين الناس.
البحر لا يجيب. القمر بعيد، والمدينة مشغولة بمن ينجحون في التظاهر بأنهم بخير.
أما الذين لا ينامون في سلام، فيعرفون جيدًا
أن بعض المعارك لا تُرى.
«ما أريده هو القوة على تحمّل الأشياء بهدوء.. أشياء مثل الظلم، سوء الحظ، الحزن، الأخطاء، وسوء الفهم.»
— هاروكي موراكامي
كان من المفترض أن تُنقذ الأحلام أصحابها، لكن بعضها يتحول مع الوقت إلى حملٍ إضافي.
وكلما طال الانتظار، صار الوصول أقلّ شبهًا بـالخلاص.
حتى الكتب، تلك التي بدت يومًا كأبواب نجاة، تصبح أحيانًا مرايا ثقيلة.
تعكس نسخةً مرهقة من أصحابها، نسخة تعرف أكثر مما ينبغي، وتصمت أكثر مما ينبغي.
ومع ذلك… يأتي الصباح دائمًا.
تنهض الأجساد المتعبة، ترتدي وجوهها المعتادة، وتكمل الطريق كأن شيئًا لم ينكسر الليلة الماضية.
ربما لهذا يبدو العالم طبيعيًا إلى هذا الحد. لأن أكثر الناس تعبًا، هم أولئك الذين تعلّموا
كيف يواصلون السير دون أن يُحدثوا ضجيجًا.