⁠العاشرة مساءً
٤٦٧ كلمة

كنت في الحادية عشرة من عمري حين حدث ذلك. كان يوماً عادياً في المدرسة، الشمس خفيفة، والهواء دافئ، والفناء يمتلئ بأصوات الأطفال، ضحكهم وصياحهم وحركة أقدامهم التي تصنع إيقاعًا عفويًا للحياة.

قررنا أنا وزميلاتي أن نلعب كرة القدم، كنا نضحك، نصيح بحماس، نركض خلف الكرة التي بدت في تلك اللحظة كأنها مركز العالم. كنت سعيدة، سعيدة بطريقة الأطفال البسيطة، التي لا تحتاج إلى سبب كبير، مجرد كرة، وصديقات، وشمس دافئة.

خلعت الحجاب

في خضم كل هذا، خلعت حجابي. لم يكن عن قصد أو تمرد، ولا لأني أردت أن أتحدى أحدًا، فقط لأنه كان يعوقني عن الجري بحرية، ولأني بدأت أختنق من الحر. خلعته ووضعته جانبًا، وعدت للعب. لم أكن أدرك حينها أن شعورًا بسيطًا بالحرية قد يقابل بعينين صارمتين لا تعرف الرحمة، وأن لحظة طفولية كهذه، قد تُشعل عاصفة لم أتوقعها.

الصفعة

ظهرت المعلمة فجأة، خطوات سريعة لم أنتبه لها، أمسكت ذراعي بقوة، ثم صفعتني على وجهي. صفعة مفاجئة، حادة، لم أنسها أبدا، من صدمتها لا من ألمها. أشارت لحجابي وصاحت بكلمات لا أتذكرها، لكني أتذكر نظرتها، نظرة غاضبة، كأنني فعلت شيئًا فظيعًا، كأنني ارتكبت جريمة.

وأنا، طفلة في الحادية عشرة، وقفت هناك، وجهي يحترق، ودموعي تحاول ألا تسقط أمام الجميع.

لماذا؟

لم أفهم وقتها كيف يمكن لحركة صغيرة، لحظة لعب بريء، أن تتحول إلى جرم عظيم. كنت ألعب، فقط ألعب، مثل أي طفلة في العالم، أركض وأضحك وأحاول أن أسجل هدفًا، لماذا كان هذا خطأ؟ شعرت بالخزي، لأن الغدر فعل حقير، خاصة لو كان موجها لطفلة لا تفهم ماذا حدث!

عدت إلى البيت في ذلك اليوم ووجهي يحترق من صدمة تلك اللحظة، لم أخبر أحدًا، لم أعرف كيف أشرح، كيف أقول لهم: معلمتي صفعتني لأني كنت سعيدة؟

الأسئلة التي لم تجد إجابة

تساءلت طويلاً ولم أجد جوابًا.

لماذا كان حجابي أهم من كرامتي؟

لماذا كان يجب أن أتعلم، في الحادية عشرة من عمري، أن سعادتي أقل أهمية من معتقدات الآخرين؟

لماذا لم يسأل أحد: هل أنتِ بخير؟ هل تألمتِ؟ هل كنتِ خائفة؟

لماذا كان السؤال الوحيد: لماذا خلعتِ الحجاب؟

كيف نكسر خاطر طفلة دون أن نرمش؟

الإجابة – أعتقد – هي أننا حين نقدس القواعد أكثر مما نصغي للإنسان، نفقد القدرة على رؤيته، ونصبح قادرين على أي شيء، نصبح قادرين على صفع طفلة، وإهانتها، وكسر قلبها الصغير، لأننا نعتقد أننا نحمي شيئًا أكبر منها.

الطفلة التي لم تعد موجودة

مرت السنين، وكبرت، وتغيرت رؤيتي للأشياء. لم أعد أشعر بالغضب تجاه معلمتي، بل ربما أفهم الآن أنها كانت ترى نفسها حارسة على قواعد فرضها الزمن والمجتمع. وأنها كانت سجينة لنفس القواعد التي ضربتني بسببها.

لكن الفهم لا يمحو الألم، ما زالت الصفعة ترن، وكلما رأيت طفلة تلعب، تركض، تضحك بحرية، أتمنى ألا يأتي أحد ليكسر خاطرها، أتمنى ألا يصفعها أحد لأنها كانت سعيدة. هناك طفلة كانت تركض وراء كرة صغيرة، في الحادية عشر من عمرها، تضحك وتصيح بحماس، كانت تستحق أن ترقص فرحًا بالأهداف التي تسجلها، لا أن تصفع.

لأن الصفعة، في النهاية، ومهما كبرنا، لا تُنسى.

شارك هذا الـمقال