منذ فترة، أراقب تدهور قدرتي على فعل لا شيء.
الأمر ليس دعابة؛ لقد اكتشفت فجأة أنني فقدت مهارة إنسانية أصيلة كنت أتقنها طفلاً ومراهقاً، مهارة كانت تحميني من العالم وتمنح عقلي هدنة مجانية دون مقابل.
”تلاشت من حياتي تلك ‘الغيبوبة الصغرى’ التي كانت تنقذني“
في الماضي، كان ”السرحان“ طقساً يومياً مقدساً.
كان يمكن لجلسة في المواصلات على مقعد بجوار النافذة، أو تأمل بقعة رطوبة غريبة على حائط الغرفة، أو حتى النظر إلى سقف المطبخ وأنا أنتظر غليان الشاي، أن تتحول إلى رحلة فضائية كاملة.
كنت أسرح لساعة أو ساعتين، أبني مدناً، وأخوض معارك، وأصفي حسابات مع أشخاص لم أقابلهم، ثم أعود منها هادئاً، مسترخياً، كمن أخذ قيلولة عميقة في منتصف اليوم.
الآن؟ إذا حاولت أن أسرح، أشعر وكأن هناك من يمسك بياقتي ويهزني بعنف صارخاً: ”أنت بتضيع وقت! فيه إيميل لازم يترد عليه، فيه بوست نزل لازم تشوفه، فيه كارثة في كوكب تاني لازم تتابعها“.
تحول عقلي من ”مساحة شاسعة للتأمل“ إلى ”شاشة حاسوب“ مفتوح فيها خمسون علامة تبويب (Tabs) في وقت واحد، وتعمل في خلفيتها موسيقى تصويرية مزعجة لا أعرف كيف أطفئها.
لقد وقعت —ومعي جيل كامل— في فخ ”اغتيال الملل الإيجابي“.
تماماً مثلما يصف الأطباء بعض الأدوية لتحفيز هرمونات معينة لإنقاذنا من القلق، قمنا نحن ببرمجة أنفسنا على تناول جرعات عشوائية مكثفة من الدوبامين السريع عبر الشاشات لإنقاذنا من ”الملل“، والنتيجة؟ قتلنا ”القدرة على السرحان“.
أصبح العقل عاجزاً عن توليد أفكاره الخاصة، لأنه اعتاد أن يستقبل أفكاراً جاهزة، معلبة، ومقصوصة في مقاطع مدتها 15 ثانية.
اللعنة الحقيقية ليست في قلة التركيز، بل في ”جفاف الخيال“.
السرحان القديم كان مصنع الأفكار العبقرية، كان المكان الذي تتقاطع فيه الذكريات مع الطموحات لتلد فكرة مقال، أو مشروع، أو حلاً لمشكلة استعصت على منطق الوعي.
كان عقلك الباطن يعمل ”في صمت“ لترتيب الفوضى… أما الآن، فنحن لا نترك له ثانية واحدة صامتة.
إذا وقفنا في طابور، أو انتظرنا مصعداً، أو حتى في تلك اللحظات القليلة قبل النوم، نسحب الهاتف فوراً، لنحشو هذا الفراغ بأي شيء؛ أي شيء حرفياً، حتى لو كانت فيديوهات لتهذيب عشب الحدائق في فنزويلا.
أحاول أحياناً الخروج في نزهة بدون هاتف، أقول لنفسي: ”اليوم سأسرح بحرية، سأتأمل الشجر والوجوه“.
لكنني أصطدم بجدار من التوتر. أشعر بالاضطراب، يدي تذهب لا إرادياً إلى جيبي الفارغ كأني أبحث عن طرف صناعي فُصل عن جسدي.
ينتابني قلق شديد، كأن العالم سيفوتني إن لم أكن متصلاً به طوال الوقت.
اتضح لي أنني لم أعد أحتمل مواجهة عقلي وهو ”فارغ“، صرت أخاف من الصمت، لأن الصمت قد يجبرني على مواجهة أسئلة مؤجلة أو أفكار مرعبة كنت أهرب منها بالحشو البصري اليومي.
أخبرني صديق مهتم بـسيكولوجية العصر الرقمي: ”إحنا مابقيناش بنملك عقولنا، إحنا بقينا شغالين موديريتورز (Moderators) لمدخلات داخلة لنا من برة“.
وكان محقاً؛ السرحان يتطلب ”أماناً نفسياً“، يتطلب رصيداً من الهدوء يسمح لك بأن تغيب عن الوعي دون أن تشعر بالذنب.
أما الآن، فنحن نعيش في حالة ”تأهب قتالي“ مستمر ضد الإشعارات، والرسائل، والتريندات. نحن لا نعيش اللحظة، ولا نسرح بعيداً عنها، نحن معلقون في برزخ رمادي مقيت: لا نحن ننتج بكامل طاقتنا، ولا نحن نرتاح بكامل إرادتنا.
الآن، بدأت أدرك أن استعادة ”السرحان“ هي معركة استرداد لآدميتي.
المسألة لم تعد مجرد ترف أو ”روقان بال“، بل هي محاولة لإنقاذ ما تبقى من مرونة عقلي وقدرتي على الإبداع قبل أن أتحول تماماً إلى خوارزمية صماء تستقبل وتطرد البيانات بآلية بحتة.
قررت أن أبدأ بـ ”علاج طبيعي“ لعقلي؛ أن أسمح لنفسي بالملل مجدداً.
أن أجلس على الكرسي وأقيد رغبتي في لمس الهاتف. أن أنظر من النافذة وأترك الأفكار تأتي وتذهب، حتى لو كانت أفكاراً سخيفة أو مزعجة في البداية.
حسناً، الطريق ليس سهلاً، والعقل العنيد يقاوم الصمت كأنه سجن… لكنني سأحاول، سأحاول أن أترك عيني ”تزغلل“ وتفقد تركيزها في الفراغ لدقائق، دون أن أشعر أن العالم سينهار بدوني.
الرؤية تحتاج إلى ضباب أحياناً لترتاح.. وأنا اليوم، بحاول أطفي الشاشات، وأستنى ”السرحان“ زي زمان.