الثانية ظهرًا
٧٢١ كلمة

افتح تويتر لأجد سيلاً من التويتس (بعضها غاضب ولكنهم ليسوا بما يكفي)، تشارك ڤيديو بـThumbnail لشاب تعلو وجهه تعابير سمجة ومُستهزئة، فانقبض قلبي وعرفتُ ما ينتظرني إذا فتحتُ الڤيديو.

مررت في التايم لاين ورأيت الڤيديو يتكرر ويتكرر وتجنبت فتحه في كل مرة، بينما يتزايد حنقي إلى أن أغلقت الهاتف. لاحقني الڤيديو في اليوم التالي ففتحته ورأيت ضحكته واستمعت إلى صوتها وكلامه وكلام العواجيز يدافعون عنه ويقذفونها بالشتائم مكوِّنين صفًا صامدًا ضدها ليشعروها أنها ”مجنونة“ لأن ”هو جه جنبك؟“ واحنا ما شوفناش حاجة.. وهو يضحك.

هذا أسوأ ما حدث لها ويراه هو نكتة.

امتلأت غضبًا ولكنني ”دفست“ غضبي بداخلي، فما الذي بيدي لأفعله؟

اعتدت على دفس غضبي بداخلي فالحادثة لم تكن شيئًا غير معتاد. يوميًا نسمع عن فتيات ونساء يُقتلن ويُغتصبن ويُعتدى عليهن من قبل أزواجهم وآبائهن..الخ، وإن حدث ولم تصلنا هذه الأخبار فلا بأس، ما زال بإمكان رجالة تويتر كتابة أشياء مثل: «القايمة على العريس ولا العروسة؟»، «مع ولا ضد ضرب الراجل للمرأة؟».

تُذكِّرني تلك الأسئلة والتعليقات المُستخِفَّة والمُكذِّبة لأخبار العنف ضد المرأة النابعة منها (كما لو أنه من السهل أن تقف امرأة في الشارع وسط أغراب وتصرخ في رجل يتحرش بها، دون أن تعرف ما سيكون رده أو إن كان معه سلاح) بأغنية كنا نغنِّيها ونحن صغار.

كنا معتادين على اللعب ضد الأولاد ”كأعدائنا“ وغلاستهم علينا، فنقف في صف مقابل لهم فيُغنُّون ليُغيظونا:

«لمونة البنات مجنونة».

فنرد عليه ”لنَكبِسهم“:

«تفاحة تفاحة الولاد مرتاحة».

ورغم أنني لا أعرف ايه الشتيمة في أنهم مرتاحون، فإن ”مناقشات“ الرجال وردودهم كردودنا صغارًا حيث لم تخرج من إطار أننا أعداؤهم وأن «البنات مجنونة». لا تصدقها لأنها مجنونة. إنها تصرخ وتشتكي من رجل لأنها مجنونة. تريدني أن أساعدها في الطبخ وغسيل الأطباق لأنها مجنونة. عاوزة تنزل باللبس دا وماحدش يبصلها عشان مجنونة.

يقابلني تعليق على الحادثة: ”عشان نتجنب موضوع إن البنات تصورنا ماحدش يلمس يا جماعة. افضل باصصلها ودقق في كل تفصيلة من جسمها (ثم فصَّل كل تفاصيل جسد المرأة) وكله قانوني ماحدش هيقدر يلمسك“.

لم يرَ المُعلِّق النساء أفرادًا لهم مشاعر وأفكار بل هم مجرد مادة لاستمنائه، متحايلًا على القانون كلعبة مسلية مثل الأخ المُبتسم.

قالت كريستن ستيوارت في حوار: «أن تكوني امرأة لهي تجربة عنيفة بشكل يصعب تصديقه. نحن نُخفي الكثير من العنف، فحتى وإذا لم ينتهككِ شخص بطريقة بعينها، فإننا نُنتهَك بعنف باستمرار. أعتقد أن امتلاك جسد أنثوي يُعد فعلًا سياسيًا علنيًا في حالة استطاعتكِ النهوض من السرير في الصباح، دون أن تكرهي نفسك».

أتذكر كلماتها طوال الوقت. فمجرد قراءتي لتعليقات الرجال (والذكوريين عامة) على السوشال ميديا يُشعرني أنني اُنتهكتُ بشكل أو بآخر.

للرجال قدرة خاصة وخارقة في أن يُكرِّهوا إليكِ جسدك ووجهك وطبيعتك، وفي إعطاء معنى جنسيّ لأي شيء تفعلينه مهما كان عاديًّا.

كما أنني كل يوم أقرأ أخبار عن عنف ضد المرأة تُشعرني بالعجز وأتساءل متى سيحين دوري؟ وأخشى النزول من البيت والتحدث مع شباب كي أجد حب حياتي وكلما فعلت، نظرت لهم جميعًا بأنهم مصدر خطر.

ربما ستقول «مش كل الرجالة وحشة» أو أننا «فيمينيست» كشتيمة أو «أننا غاضبات وبنقول Men are trash» ولكنك لا تعرف ما تعيشه النساء إذا:

لم تتظاهر بالتحدث في الهاتف وأنت في المواصلات لشعورك بالخطر.

لم تخشَ وضع سماعاتك وأنت تمشي في الشارع.

لم تتوقف عن المشي، وتتظاهر ببحثك عن شيء في حقيبتك؛ لأن رجلًا يمشي خلفك.

لم تبتسم بعدم راحة (ويُساء فهمكِ دومًا) لأن مديرك أو زميلك ”بيهزر“ بكلام أو نكتة غير لائقة (حتى وإن لم تكن جنسية صريحة) عشان دا مديرك هتعملي إيه يعني.

لم يلمسكِ رجل (رجل ليس امرأة) في الميكروباص، فتتجمدي وتجديه غير مبالٍ فتشكِّي في نفسك: هل لمسني فعلًا؟ ربما لم يقصد بسبب المطبات؟

لم تشعري أنه من الممكن أن تُنتهكي أو تُقتلي في أي لحظة.

لم تفكري طوال الوقت في سيناريوهات للدفاع عن نفسك مثل:

إذا حاول سائق التاكسي التعدِّي عليك هل ستتمكني من فتح الباب وتهربي أم ستموتي؟ فتُحدِّقي بالباب طوال الطريق أو الإمساك بالمفاتيح في يدك وأنت تتمشَّين ترقبًا لأي لحظة خطر. وغيره.

والأهم إذا لم تُتَّهمي بالكذب قبل أن تأخذي شارة قبول من كل شخص إثباتًا لما حدث لك، بينما نسبة الاتهامات الكاذبة في أمريكا في العام السابق هي 2-8% (والتي تُقاس بعدم وجود دليل وليس الكذب فعلًا) وهذا في دولة تُبلِّغ فيها النساء عما تتعرض له وليس دولة آخر إحصائيتها في 2018 طبقًا للUN لأن النساء لا تُبلِّغ عما يتعرَّضن له، وحينها كانت نسبة التحرش بالنساء 99.3%.

وتتعجب لماذا أنا غاضبة؟

لقد اكتسبنا حق هذا الغضب وهذه الكراهية.

ومثلما قالت المخرجة السينمائية آنيس ڤاغدا:

«حاولتُ أن أكون نسوية مبتهجة ولكنني كنتُ غاضبة».

ولا يمكن لأحد أن يلومني.

شارك