الثانية ظهرًا
٦٨٤ كلمة

يرن المنبه في الخامسة صباحًا ليوقظ قطتي وشركاء السكن والجيران ورئيس الحي قبل أن يوقظني أنا شخصيًا.

إنه يوم جديد.. تاني. لو ضغطت سنوز مش هلحق اوتوبيس اكتوبر الهبة الحقيقية لحياتي في تلك الفترة.. أقوم من مكاني ولا ألاحظ دفء شمس الشروق وفي الواقع لا أهتم كثيرًا سوى بالوصول للعمل والعودة من العمل ثم تاني يوم الوصول للعمل والعودة منه، حياة سيزيفية بنجاح.

لم يكن في وسعي تخيل أن يكون سيزيف سعيدًا كما ادّعى ألبير كامو.. أنا أدرى بسيزيف منه حاليًا!

كان طريقي يستغرق ساعة ونص في كل اتجاه، أدفن رأسي في كتاب وسماعاتي التي أصبحت جزءًا أساسيًا من تشريحي دون أي اهتمام حتى بالنظر إلى النافذة أو تخطيط ما سأفعل اجتماعيًا بعد العمل .. لأن جيس وات؟

بعد أول وظيفة عندي متطلبات تاني وظيفة.. رائع!

أعتقد أني كنت أرى دورة حياتي كالآتي:

الدودة تدخل الشرنقة — تتحلل الدودة لتصبح فراشة — تخرج الدودة من الشرنقة كدودة مجددًا..

لا نهاية سعيدة ولا دروس مستفادة.

ظللت في حالة اليوم الواحد المتكرر بلا تغيير لمدة عام تقريبًا حتى حدث موقف صغير متناهٍ في الصغر.

نمت في الاوتوبيس وصحيت في آخر الخط.. يا نهار أبيضّ تقولشي نهاية العالم؟

كنت أعتقد أن نهاية العالم ستكون أهون لأني بالتأكيد لن أكون في ذلك اليوم متأخرة على الشغل!

وصلت ساعة متأخرة وأعتقد إن إرهاقي الشديد التهم قلقي فكانت إجاباتي غير مبالية بالقدر المتوقع مني في تلك اللحظة..

”اتأخرتي ليه

”نمت في المواصلات

”انتي عارفة ان كده خصم ربع يوم

”تمام

”الموضوع مش شخصي والله بس انتي عارفة النظام

”تمام“

أعتقد ما كان في بالي وقتها أن كل هذا القلق والخوف والجري في الطريق للبحث عن مواصلات لأعود لمكان عملي هذا كله يساوي ربع يوم خصم.. يعني ايه حتى؟

كيف يتم تسعير وقتي وصحتي ومجهودي البدني والنفسي؟

كررت ذلك السؤال عشرات المرات دون إجابة منطقية تسكت عقلي.. يعني ايه أنا كإنسان يتم تسعير الساعة من حياتي بـ٧٨ جنيه؟

ساعة شغلي أقل من تسعيرة كوباية قهوة؟ رائع بس يعني إيه برضه؟

صرت أكرر تلك الأسئلة بشكل واعٍ أكثر ومتتابع حد شعرت أن شرنقتي تزداد ضيقًا.. احتجت للقليل من الهواء.. كنت أحتاج للحظة من الصمت التام.

أحب الطبيعة لأنها مبهرة ولأني أستطيع أن أتبنى طريقة كائن حي ما بعيد عني كل البعد في أشد أوقاتي حلكة وتشتغل! وقد كان!

وقفت في حالة من السكون:

منفصلة عن كل ما يحيط بي ومتصلة بكل طاقتي داخليًا مني لنفسي.. لم تعد شرنقتي ضيقة كما كانت ولكنها لم تكن بالوسع الكافي للشعور بالراحة..

استعنت بتمرين للتنفس كنت قد قرأته بشكل عابر ولكنه قدم نفسه بقوة في عقلي وقتها..

شهيق عميق ”أتذكر الضفادع النارية وحيلتها الذكية عند الشعور بالخطر كيف تدخل في حالة من السكون وتملأ بطونها بالهواء حد تحولها للون أحمر متوهج“

زفير حاد ”أتذكر كيف تطلق الثعابين والقطط هواء الزفير بقوة محدثة صوتًا مخيفًا للدفاع ضد ما يهددها“ ..

تتابعت الصور مع كل نفس واتسعت الشرنقة شيئًا فشيئًا حتى استطعت أن أعود لحالتي الطبيعية التي تستطيع أن تشعر بالامتنان بسبب أصغر الأشياء وإن كانت لمدة قصيرة من الزمن..

مرت سنة منذ نظرت للسماء وتتبعت أشكال السحاب المتغير أو منذ شعرت أني حاضرة بكياني في اليوم.. أنا كنت ست على الاوتوبايلوت يا أعزائي عشان معنديش وقت ولا خُلق لأي شيء على الإطلاق..

شيء حزين إنك تكون بتنجو طول الوقت ومش عايش.. بتجري طول الوقت ومش بتقف دقيقة عشان تاخد نَفَسَك.

فكرت إن مسئولياتي ستظل كما هي لأنك واهم يا عزيزي إن ظننت إني دخلت المكتب وشتمت المدير وسيبت الشغل، مسؤولياتي ستظل كما هي وساعات عملي ستظل كما هي ومديري سيظل غبي ”مشيها غبي“ كما هو..

طب وأنا؟

أنا مش عايزة أبقى زي ما أنا..

يرن المنبه في الخامسة صباحًا ليوقظ قطتي وشركاء السكن والجيران ورئيس الحي قبل أن يوقظني أنا شخصيًا.. إنه يوم جديد!

لو ضغطت سنوز مش هلحق اوتوبيس اكتوبر .. أقوم من مكاني وألاحظ دفء شمس الشروق وفي الواقع أنا أهتم كثيرًا!

أعتقد أن اليوم في وسعي تخيل أن يكون سيزيف سعيدًا كما ادّعى ألبير كامو.

كان طريقي يستغرق ساعة ونص في كل اتجاه.. ثلاث ساعات أقضيها بصحبتي محدودة بكرسي الاوتوبيس وغير محدودة إطلاقًا في عقلي وقلبي .. أنظر من النافذة للسماء الواسعة والسحاب .. وأفكر في غد أقل قسوة .

تحديث: محدثتكم من الغد الأقل قسوة..

لا أحتاج أن أستيقظ في الخامسة فجرًا ونسيت محطة اوتوبيس اكتوبر بعد سنتين إضافيتين في تلك الدورة المستنزفة..

أنا في مكان أفضل.. شكرًا سؤالكم :*

شارك