في تمام الساعة الرابعة فجرًا، يتغير وجه العالم. لا يعود الوقت ذلك النهر المتدفق بانتظام نحو المصب، بل يتحول إلى بِركة راكدة من الثواني الثقيلة. في هذه اللحظة، حين يسكن كل شيء، أجد نفسي وحيدًا مع ”الأرق“، ذلك الزائر الثقيل الذي لا يطرق الباب، بل يتسلل من شقوق الوعي مصارعًا النوم.
بالنسبة لي، لم يكن الأرق يومًا مجرد اضطراب بيولوجي أو نفسي، بل هو حالة من ”الاغتراب الزمني“. في تلك الساعات المتأخرة، يصبح العقل كآلة عرض سينمائية تعطلت بكراتها، تعيد عرض مواقف من الماضي، وتنسج مخاوف من المستقبل في خليط مربك. وفي محاولتي لفهم هذا التيه الليلي، وجدت عزاءً غريبًا في كتاب ”أحلام الأرق: تجارب مع الزمن“ لفلاديمير نابوكوف.
في هذا الكتاب، لم يتعامل نابوكوف مع الأرق كعدو فحسب، بل حوَّله إلى ”مختبر أدبي“. في عام 1964، بدأ نابوكوف تجربة فريدة: كان يسجل أحلامه فور استيقاظه ليرى ما إذا كانت تحتوي على إشارات لأحداث ستقع في المستقبل.
ربطتُ معاناتي الشخصية بما سجله نابوكوف على بطاقاته الشهيرة. في الليالي الطويلة، غالبًا ما أشعر أن الزمن يتمدد بطريقة غير منطقية. يذكر الكتاب كيف صارع نابوكوف ”التوقيت“؛ فبالنسبة له، لم يكن الحلم مجرد استرجاع للماضي، بل كان نسيجًا تتقاطع فيه ذكريات الأمس، واليوم، وما قد يأتي.
هذا المنظور غيّر نظرتي لأرقي؛ فبدلًا من اعتباره وقتًا ضائعًا، بدأت أشعر كأنني معلّقٌ بين الوعي واللاوعي، تمامًا كما كان يرى نابوكوف أحلامه -حتى تلك التي كان يقتنصها في غفوات قصيرة بسبب الأرق- كانت تتحول إلى مادة لاستكشاف طبيعة الزمن.
في السكون التام، تصبح دقات الساعة كطرقات المطرقة، وتصبح فكرة عابرة كأنها جبل يربض على الصدر. لكن، وكما فعل نابوكوف، هناك نوع من ”الجمالية“ في هذا العذاب. الأرق يمنحنا وقتًا ”إضافيًا“ لا يملكه الآخرون، وقتًا يهيم فيه العقل بحرية بعيدًا عن قيود الحياة اليومية، بحثًا عن الأسئلة الوجودية الكبرى.
ما يثير الدهشة في كتاب ”أحلام الأرق“ هو فكرة ”التنبؤ بالأحلام“. نابوكوف كان يحاول إثبات أن ”المستقبل“ قد يتسرب إلى أحلامنا. وفي ليالي الأرق، حين يختلط الواقع بالخيال، أحيانًا ما أشعر برهبة مشابهة؛ شعور بأن هذه اللحظة، وهذا الهدوء الموحش، هما جزء من نمط زمني أكبر لم أدركه بعد. الكتاب يعلمنا أن الأرق ليس مجرد ”فقدان للنوم“، بل هو ”كسب للوعي“ بطريقة مكثفة ومؤلمة أحيانًا.
على كل حال، الأرق هو الثمن الذي ندفعه مقابل الوعي الحاد بالحياة؛ من خلال تجارب نابوكوف الموثقة، ندرك أن الساعات التي نقضيها في التحديق في السقف ليست فراغًا، بل هي امتلاء بالزمن في صورته الأنقى. لقد حوّل نابوكوف معاناته مع النوم إلى فن، وأحلامه القلقة إلى مادة فلسفية.
والآن، عندما يزورني الأرق، لا أحاول طرده فورًا، بل أراه كـ ”تجربة نابوكوفية“، أسأل فيها نفسي:
ماذا يحاول هذا الليل أن يخبرني به؟
وكيف يمكن لهذا الزمن الراكد أن يصبح نهرًا من الإبداع، إذا تعلمنا فقط كيف ننصت لسكونه؟