غواية المشي في الطرق المظلمة
أحبُّ المشي جدًا؛ هو متنفسي الوحيد من أفكاري المظلمة ولحظات غضبي ويأسي، لكن مؤخرًا تحول هذا المتنفس إلى متاهة. أجدني أتخلى عن الشارع الرئيسي المضيء والآمن، وأدخل بكامل إرادتي إلى شوارع جانبية موحشة، لا نور فيها ولا بشر، فقط أنا وظلالٌ لسيارات عابرة.
في تلك اللحظة، يصرخ عقلي بوضوح:
”هذا الطريق مخيف، دعينا نعود!“
لكن قلبي يدفعني للمجهول دفعًا وهو يهمس:
”هل نسيتِ الطفلة التي لا تخاف الظلام؟“.
فأكملُ السير.. السيارات تمر بجانبي مسرعة فتخيفني، ونباح الكلاب يحاصرني من كل جانب، والبيت يبدو بعيدًا كحلمٍ مستحيل. أصلُ في النهاية منهكة، أحبس دموعي، وأعاقب نفسي بوعدٍ غليظ ألا أكرر هذه المحاولة الحمقاء أبدًا.
ثم تمر الأيام، وأجدني أقفُ أمام ذات الشارع مجددًا! أقول لنفسي هذه المرة بحجة واهية: ”اليوم مختلف، ألا ترين نور الغروب البعيد؟ هناك بعض المارة أيضًا“.
أتجاهل تحذيرات عقلي وأمشي وراء أملٍ واهٍ بأن الأمر مختلف هذه المرة وبأنني سأنجح في اجتياز الطريق بسلام، ولكن في المنتصف يهبط الظلام مجددًا، ويختفي المارة، فأجد نفسي غارقة في ذات الغضب والتعب، والعودة للبيت تغدو مرة أخرى رحلة شاقة وطويلة.
أتذكر أيضًا مرة وأنا أتمشى في الكوربة، رأيت شارعًا مغلقًا يقف الأمن عند بدايته. وقفتُ هناك، وتجاهلتُ كل الحواجز والشارع الخالي من المارة، المظلم تمامًا، وذهبتُ أسأل الضابط بفضولٍ غريب: ”أريد المرور من هنا“. لا أدري لماذا أغراني هذا الشارع تحديدًا؛ شارع طويل، واسع، ومظلم.. ”هذا ذوقي“.
هكذا بررتُ لنفسي انجذابي لكل ما هو مظلم وموصد.
حين أخبرني الضابط أن المرور ممنوع، عدتُ غاضبة، وكأنني حُرمتُ من حقٍ أصيل في عبور طرق لا ترحب بي.
هذا النمط يتكرر حتى في أبسط نزهاتي؛ حين أسير مع صديقتي في شوارع هادئة وجميلة، يستهويني فجأة شارعٌ آخر مغلق.
تسألني باستنكار: ”ما الداعي؟ لدينا شوارع أجمل ومفتوحة“، لكنني أصرُّ على موقفي، وننتقل من النزهة إلى الشجار، فأتركها وأذهب وحدي لأجرب القفز فوق الحواجز الخرسانية، فقط لأثبت أنني أستطيع.
أتأملُ تلك المحاولات وأفكر في ذلك النمط الذي يجعلنا نسلك طرقًا لا تصلح لنا؛ نعلم مسبقًا وبالتجربة أن السير فيها سيؤذينا ويؤلمنا، لكننا بإصرارٍ عجيب نتجاهل كل شيء، حتى ألم التجربة، على أملٍ واهٍ بأننا في هذه المرة سنجد ضوءًا في نهاية طريق تؤكد كل الدلائل ألا نور في بدايته ولا في نهايته.
هنا يبرز السؤال الذي أصبح يطاردني كظلي: ”ما الذي أحاول إثباته حقًا؟ ولماذا؟“
حين أفتش في أعماقي، أجد ردًا قديمًا، غاضبًا، ومتحديًا يسكنني منذ الطفولة: ”أنا قوية.. لستُ تلك الطفلة التي يتحدثون عنها، لستُ فاشلة ولا ضعيفة“. لقد عشتُ حياتي كلها أحاول إثبات أنني شجاعة وقوية، وكان الظلام هو تحديَّ الأكبر.
أعود بالذاكرة إلى بيتنا القديم في القرية؛ ذلك البيت واسع الأرجاء، حيث كانت الحركة فيه ليلًا والظلام دامس مخيفة جدًا.
كانت أختي الكبرى —التي يراها الجميع أفضل مني في كل شيء— تخشى الظلام، فكنتُ أحاول جاهدة أن أثبت لهم أنني متفوقة عليها في شيء ما، وأنني لستُ مثلها.. أنا لا أخشى الظلام.
لقد كان هذا العناد هو طريقتي الوحيدة لأقول إنني ”أصلح لشيء ما“، في وقتٍ كان الجميع فيه يرون أنني لا أصلح لشيء.
كنتُ أظن أنني بهذا التحدي القديم قد حميتُ تلك الطفلة القابعة في أعماقي، الطفلة التي تجاهلوها يومًا، لكن الحقيقة التي كشفتها لي الأيام الأخيرة كانت موجعة: أنا لم أحمِ تلك الطفلة بوضعي لها في مواجهة المخاطر، أنا فقط كنتُ أهرب بها من وجع التهميش إلى وجع المتاهة.
لقد كنتُ أطارد الشوارع المظلمة والمغلقة في البشر كما أطاردها في مدينتي؛ أحاول إثبات شجاعة طفلتي القديمة على حساب أماني الحالي وسلامي النفسي.
كنتُ أظن أن العبور أو القفز فوق الحواجز هو صك الغفران أو شهادة ميلادي الجديدة التي ستثبت للجميع أنني لستُ تلك الطفلة الصغيرة التي استضعفوها يومًا.
لكن الحقيقة المرة التي أواجهها الآن، وأنا أعود في كل مرة منهكة وغاضبة، هي أنني ما زلتُ أسير في ذات الدائرة.
أقفُ في نهاية الطريق المظلم وأسأل نفسي:
هل أبحث عن الضوء حقًا في نهاية هذه الدروب الموحشة، أم أنني أدمنتُ غواية الطريق المظلم فقط لأثبت أنني لا أخاف؟