الثانية ظهرًا
٥١٣ كلمة

”بكيت عدة مرات أثناء كتابة هذا النص!“

مارس 2026

اعتادت ابنتي الصغيرة أن تناديني بلفظة ”ماما“ وأحيانًا ”مامي“ كما تقتضي الأعراف الحديثة. لا تثير فيّ الكلمة أي شعور، ولا تختلف عن مناداتها لي باسمي، بل وربما أفضّل أن تناديني باسمي لأنني أشعر بالانتماء إليه أكثر من انتمائي للأمومة.

لا أتذكر حقًّا المرة الأولى التي نَطَقَتْ فيها كلمة ماما! ألا تنتظر الأمهات سماع هذه الكلمة بصبر نافد؟ وهل يعني هذا أنها لم تكن لحظة مميزة بالنسبة لي؟

لا تسئ فهمي، فلست أمًا سيئة بالضرورة، صحيح أنني لم أرغب أن أكون أمًا، ولكن، بما أنني صرت أمًا بالفعل وقضي الأمر، فلا بد أن أكون أفضل أمٍ ممكنة!

نشأت في أسرة ممن اختاروا الهجرة إلى الخليج في التسعينيات، وُلِدت وتشكّلت هناك، مع خادمة لا تتحدث العربية، وإخوة بِلا أم حاضرة، أمٌ اختارت أو اضطرت أن تعمل ليل نهار حتى توفر لنا -مع أبينا- حياة أجمل مما حصلوا هم عليه.

حصلت على الكثير من المال، والقليل من التواصل الإنساني، أغلى سنين عمري قضيتها دون أن أحتفظ بذكرى واحدة واضحة عن حضن أمي.

أنا إنسانة ذات مزاج متقلب بعنف، ولكن في الأيام التي يعتدل فيها مزاجي، أحب احتضان ابنتي، أُغرقها بالقبلات والكلمات الرقيقة، أصرّ أن تتذكر ابنتي دفء عناقي، حتى لو لم يعن لي شيئًا في بعض الأيام. المهم ألا تخبر معالجتها النفسية مستقبلًا أنها لا تمتلك ذكرى واحدة واضحة عن حضن أمها!

أقرأ لابنتي كل ليلة منذ شهرها الثاني في الحياة، هذه رابطتنا، عادة يومية نستمتع بها ثم تنام في سلام، فلماذا في تلك الليلة بالذات اختنق صوتي واعتصَر ألمٌ عنيف قلبي وأغرقت الدموع وجهي؟

انهرت تمامًا وصرخت بصوت مكتوم: لم تقرأ لي أمي كتابًا قط! لم تقرأ لي أمي كتابًا قط! هذه تجربة أخرى سُلبت مني للأبد، فمن يعيد لي حضن أمي، وجسدي الصغير الذي يمكنها ضمه بين ذراعيها وهي تقرأ لي قصة اسمها ”الخباز الصغير“؟

تخطّت ابنتي الثلاث سنوات الآن، ولا أستطيع استساغة كلمة ”ماما“ بعد، لا أشعر أنني أمها حقًّا، ربما نحن أصدقاء، ربما أنا السيدة التي ترعاها، كما نشأت أنا مع عدة سيدات قمن برعايتي ولم تتمكن أي منهن من منحي ما احتجته بحق.

لا أدري إلى أي مدى يبدو حديثي مقبولًا أو مستغربًا، هل أعاني وحدي من ”التبلد الأمومي“ أم أنها ظاهرة سرية منتشرة بين الأمهات ولا يرغب أحد في الحديث عنها؟

لا تقلق سأمنحك نهاية سعيدة.

بدأنا نمارس هذه اللعبة أنا وابنتي، نتبادل الأدوار فتصبح هي الأم وأعود أنا طفلة بالكاد تنطق حروفها، تتدلل على أمها، تطالبها بالألعاب والعناق والذهاب للنادي.

تستجيب ابنتي بمهارة عالية، تراعيني وتطعمني وتأخذني لحديقة الألعاب لنقابل الأصحاب، تثني بحماس على الأشكال الساذجة التي أصنعها بالليجو، تقول بطمأنة: ”عادي عادي“ كلما سقط مني شيء، تربط حزام مقعدي في سيارتنا الخيالية حتى أكون آمنة، تدثرني بالغطاء وتقول بصوتها الطفولي: ”أنا بحبك أوي يا حبيبتي“.

تتقمص دور الأم كما ينبغي أن تكون، بمنتهى العفوية، بلا نص أو توجيه.

يذوب قلبي وتحتبس دموعي، كياني كله يتخلخل، هذه مشاعر جديدة لم أختبرها من قبل.

دفء وأمان وسعادة لذيذة ورغبة ملحة أن تستمر هذه اللعبة للأبد! أحاسيس خام لم تتلوث بعد، تُغرِقني بلا تكلُّف، بلا انتظارٍ لمقابل، وبلا هوادة!

فهل أتت هذه الجوهرة الصغيرة إلى الدنيا لتعلمني درسًا ما؟

هل تحاول أن تخبرني بما تعنيه كلمة ”ماما“؟

شارك