لا أذكر الظهور الأول تحديدًا لذلك الصوت، لكن هنالك شيء أعرفه أنه كان حاضرًا على الدوام. لا أعرف كيف أصف علاقتي بالكتابة، أهي احتياج أم إبداع أم نوع من أنواع الفضفضة؟ ولا أدري كيف، لكن هنالك علاقة وطيدة بين الكتابة والقراءة، أو دعونا نقول التعرض للأدب والفن والجمال بأشكاله المتعددة.
أذكر مشهدًا من مسلسل سوري ربما كان الفصول الأربعة أو غيره؛ الحبيبة تمسك الرسالة في يدها وتقرأ: ”هل أقول لكِ حبيبتي أم عزيزتي أم غاليتي أم نور عيني“، وتستمر الأشياء التي يصفها بها، تنهي الرسالة وتحرقها، أما أنا فأتابع المشهد بترقب وينحفر في ذاكرتي.
ماذا تفعل خديجة؟ ونحن في المدرسة كان هنالك شيء اسمه مذكرة، نحضر دفترًا ونمرره على فتيات الفصل كي يكتبن لنا فيه رسائل تذكارية. كنا نكتب: ”أتمنى لك الفوز وأكل الموز، والنجاح وأكل التفاح، وصندوق فيه عريس يأخذك إلى باريس“.
في الحقيقة لم أذهب إلى باريس حتى الآن، لكن أنا بت أكتب لصديقاتي الديباجة من المسلسل السوري. يقال إن أشد درجات الإعجاب بعمل فني أو نص أدبي أن تتمنى امتلاكه، أن تتمنى أن يتغير موقعك من قارئ إلى كاتب.
كان لي دفتر صغير أرسم فيه رسومات مع تعليقات عن فلسطين وأشياء أخرى. الكاتب أيضًا ينقصه قضية يؤمن بها ويدافع عنها كي تكتمل الصورة. حين رأت أختي الكبيرة الدفتر شجعتني وأعجبت به.
سافر أخي للدراسة في ألمانيا، وكان هذا حدثًا محوريًّا في حياتي. جربت نيران الشوق للمرة الأولى ودموع المطار وفرحة اللقاء. كنت أزين البيت بالبلالين لاستقبال أخي، ومنذ ذلك الحين بات كل واجب كتابة رسالة شخصية في المدرسة المرسل له أخي عبد الودود.
كان لدينا في البيت مسجل نشغل عليه الشرائط، أشياء لم يرها ابني ولا ابنتي، ويحضر أبي من الدكان شريطًا فارغًا ونقوم بالتسجيل. كنت أقوم بإعداد برنامج حواري وفقرات غنائية، برنامج كامل كي يؤنس وحدة أخي في الغربة. في الحقيقة – اعتبروه غرورًا- لكن كم أتمنى أن أقابل الطفلة التي كنتها. أخبرها أنها جميلة ورائعة وحيوية ومليئة بكل معاني الجمال وحب الحياة.
كيف يكون المرء مليئًا بالقدرات والإمكانيات ثم يحيد عن الطريق، يكبر فجأة وتكسره فواجع الليالي؟
كتبت لعبد الودود رسالة قلت له فيها:
”عيناك جميلتان ويداك طويلتان ورجلك..“ وتوقفت.
كنت على الأغلب سمعت رسالة غزل وهذه مقاربة لها، وهذه كانت بدايتي في الأدب:
”ورجلك..“