⁠الخامسة عصرًا
٤٩٢ كلمة

الأفكار تتكاثر وتسبح في فضاء عقلي، تلمع وتتخافت كالشهب. في رأسي تكون مرتبة ومنطقية، لكن مع أول لحظة أمسك فيها بقلمي لأدوّنها، أو أفتح فمي لنطقها، كأن بوابة خفية بين عقلي وجسدي تنغلق فجأة. تنحبس هذه الأفكار في زنزانة… محتفظةً ببريقها. حبسها عقلي، لكنه لم يستطع ترويضها.

تظل تلمع وتلمع في رأسي حتى يكاد ينفجر، وكل ما أحصل عليه منها قليل من الجمل المبتورة والناقصة، تدور وتطوف دون أن أمسك بها، كأن جمالها الحقيقي في أن تظل مجرد أفكار.

الفجوة بين (ياه، فكرة عظيمة) وبين (امسحي القرف اللي كتبتيه ده) مربكة جدًا. مربكة لدرجة أنها تدفعني -في ثانية واحدة- من لحظة انبهار خالص إلى قرار اعتزال الكتابة للأبد… ثلاث مرات في الشهر على أقل تقدير.

لكن المشكلة غالبًا لا تكون في النص، بقدر ما تكون في نظرتنا له. قراءة الكثير من الروايات والقصص، ومعرفة الفرق بين الجيد والسيئ، تخلقان حساسيةً مفرطة تجاه كل ما هو ”رديء“. ننسى تمامًا أن كل ما نقرأه مرَّ برحلة طويلة من التحرير والتعديل، لدرجة أن النص الأصلي قد يختلف كليًا عن نسخته النهائية.

بعد سنوات من شدّ الحبل بين الكاتبة والناقدة داخلي، وصلت أخيرًا لقناعة بسيطة: لكل شيء حدٌّ، ولكل فوضى طريقة عبور. والحل على الأقل بالنسبة لي يتلخص في خمس خطوات:

1- تخلّص من روح طه حسين التي تتلبّسك:

ضع اتفاقًا واضحًا مع نفسك أن الكتابة تمر بمراحل. أولها: أفكار خام، جمل غير مرتبة، بدون تصحيح أو حذف، حتى لو بدت مملة أو ناقصة. لأن دخول روح الناقد مبكرًا كفيل بإغلاق البوابة تمامًا، ومنع أي شيء من الخروج.

2- لا بأس باللف والدوران:

الكتابة حول الفكرة بدلًا من محاولة القبض عليها مباشرةً قد تكون مفيدة أحيانًا. اسأل: ما الإحساس المرتبط بها؟ متى جاءت؟ كيف سيكون شكلها لو كانت أي شيء… غير كلمات؟ في النهاية، ستخرج الفكرة وحدها من وسط الركام.

3- استفد من التكنولوجيا:

إذا توقف القلم تمامًا، الجأ إلى هاتفك. استخدم الريكوردر وسجّل أفكارك بصوتك، وبأي لهجة تفضلها. أحيانًا الكلام يحرّر الفكرة أكثر من الكتابة، لأن الرقابة العقلية تكون أضعف، والتدفّق أصدق.

4- الشخص البيرفكت قرر ألّا يكون بيرفكت مجددًا:

السعي للكمال في مرحلة التكوين قادر على قتل النص قبل اكتماله. تبنَّ شعار: لا للـ Perfectionism. اكتب ما استطعت، واسمح للنص أن يكون أقل جمالًا مما تتوقع. تذكّر: هذا ليس شكله النهائي، والفكرة الحقيقية لم تضِع، حتى لو أقنعت نفسك أنه أسوأ نص في الحياة. المهم أنك كتبته.

5- ارجع إلى روح طه حسين التي تركتها في البداية:

بعد الانتهاء من المسودة الأولى، اتركها فترة بدون قراءة. ثم عد لها لاحقًا، وهنا فقط يُسمح للنقد بالدخول. أضف، اصقل، اختر، واحذف… حتى تصل إلى نسخة تشعر بالرضا عنها. الآن، مبروك، أصبح لديك نص مكتمل.

ملاحظة: إذا قرأت هذه النوت فهذا يعني أنها مرّت بكل تلك المراحل.

الانتقال من المسودة الأولى إلى النسخة النهائية استغرق حوالي أربعة أشهر، لدرجة أنني نسيت أنني كتبتها أصلًا، ووجدتها بالصدفة في النوتس القديمة.

ميزة كتابة الأفكار، حتى لو لم تكن مكتملة، أنها تصنع مخزونًا محفوظًا يمكن الرجوع إليه في أي وقت.

الأفكار غير المُفرَّغة لا تختفي، بل تتحول إلى ضغط. فكن رحيمًا بنفسك، واكتب… حتى لو لم يكن لديك شيء واضح.

شارك هذا الـمقال