⁠الخامسة عصرًا
٦٨٠ كلمة

تساءلتُ دائمًا كيف يتمّ فعلُ النسيان، كيف تنسى الأمُّ المكلومة طفلَها وتستمر في العيش، تُنجب، تأكل، تُطعم وتحيا، كيف ينسى الإنسانُ المصابُ الجَلَلَ ويضحك مرةً أخرى.

هل يستيقظ في صباح ما وقد سقط الألمُ في مؤخرة ذاكرته؟

هل يبهُت الحزنُ كما تبهُت ألوان الملابس القديمة؟

رأيتُ أناسًا ظننتُ من فرط حزنهم أن أعينهم ستسقط من مكانها وأنهم سيتوقفون عن الحياة، لكنهم يعيشون في النهاية. رأيتُ المتوفَّى وهو يصغر شيئًا فشيئًا داخل الأحاديث.

كيف ينسى المرء؟

كيف يتلاشى الألمُ من ذاكرته اليومية العادية فيمارس الحياةَ كأنه لم يكد يحترق من الحزن يومًا؟

أعمل صيدلانيًة في مستشفى منذ تسعة أشهر، صرحٌ ضخم يحمل كل أنواع المآسي والقصص العجيبة التي نسمع عنها: نساء يَلِدن، وحوادث مؤلمة، وأمراض تختطف البشر، وأصوات أجهزة لا تتوقف في العناية المركزة، وأطراف مبتورة، وعمليات ناجحة، وحيوات تستكمل وأخرى تنتهي.

في بداية عملي، في أول يوم لي، دخلتُ العناية المركزة مع زميلتي في جولة تعريفية للمكان. أول سرير رأيتُه كانت توجد فوقه جثة مُغلَّفة، السريرُ الوحيد المنخفض. نظرت زميلتي إلى السرير وسألت التمريضَ عن هوية المريض، ثم رحلت ببساطة.

لم أستطع يومها تناول أي شيء، شعرتُ برجفة في قدمَيَّ وأطراف يديَّ، وبقيتُ طوال الاثنتَي عشرة ساعة أفكر في هوية الرجل، في اسمه الذي غاب عن ذاكرتي اليوم، في الشكل الذي ستتقبّل به أسرتُه الأمرَ. شعرتُ بالرهبة والحزن كلما تذكّرتُ الغلافَ الأزرق للجثة، وتذكّرتُ هدوءَ تلك الزميلة وغيابَ الأمر عن عقلها طوال اليوم.

لكن بعد تسعة أشهر، ذهبتُ بعيدًا عن تلك اللحظة.

كانت الأشهر الأولى قاسية؛ أقاوم التأثرَ بالمرضى وبالقصص المرويّة، أحبس دموعي عند حالة وأنفجر عند حالة أخرى اعتدتُ تحضير علاجها. أفزع عند سماع ”die“ من ممرض الحالة. لم نستخدم مرادفها العربي أبدًا، قد يبدو الأمر للوهلة الأولى أننا نفعل ذلك بحكم إنجليزية المجال الطبي، لكننا عرَّبنا كل شيء عدا تلك الكلمة.

تركناها بلغة غريبة بعيدة، اتّفقنا جميعًا بشكل ضمني على أن نترك حاجزَ اللغة بينها وبين مشاعرنا، نبتعد عن رهبة الموت بكلمة صغيرة عملية.

لا نزال نخشاه حتى وإن أحاط بنا يوميًا، نتناساه رغمًا عنه.

كنتُ أفزع عند مزاح الطاقم الطبي حول الموت، حتى وإن غلَّفوه بالإنجليزية؛ لا يزال الموت مخيفًا. كنتُ أفزع من نقاشاتهم حول من يجب عليه ”تقفيل الحالة“، أي فصل الأجهزة عنها وتغليفها. أكتب بصيغة الماضي الآن لأن الفزعَ سقط مني في يوم ما ولم أَلتقطه مجددًا، على الأقل أثناء النبطشيات.

لا أذكر متى تحديدًا، لكنني نسيتُ كيف أشعر بالألم داخل المستشفى. مفارقة مضحكة؛ أسير بين المتألمين ولا يُصيبني التأثرُ بشيء. لم يعد قلبي يرجف عند سماع بكاء النساء في ممرات المستشفى. أسمع قصص المرضى، أنسى، أنسى اسم المريض المتوفَّى، أنسى أدويته، وفي أي سرير نام، وأنسى أسرتَه.

ربما أتذكر قصصًا عابرة أرويها لزميلة في مشفى آخر، لكن بمجرد أن يخرج من نظام المستشفى الإلكتروني يسقط من ذاكرتي تمامًا كأنه لم يكن يومًا.

أنسى كيف أشعر بالألم طوال ساعات العمل.

قبلها، ظننتُ أن النسيان يحدث بقرار منّا، نُجبر أنفسنا على عدم التذكر، لكن النوبات علّمتني آلية عمله؛ لا ينسى المرء شيئًا متعمِّدًا، إنما تتزاحم الأشياء بداخله فيدفع بعضُها بعضًا إلى زوايا الذاكرة والوعي.

تبقى الأشياء المهمة الملحّة في الواجهة بينما تتكوّر الأخرى في زاوية بعيدة؛ حاجات كالرغبة الإنسانية في العيش وسدّ الجوع والاستيقاظ للحاق بموعد البصمة، واللحاق بموعد تسليم العلاج، والتركيز في إنهاء أكبر قدر من العمل. وتبقى الأمور المؤلمة ضعيفة واهنة تنتظر لحظةً تخفُت فيها سيطرة المهام اليومية الراهنة لتظهر على حين غِرّة.

نحن لا ننسى شيئًا، إننا مُجبَرون على تنحية الشيء لفعل شيء آخر.

اكتشفتُ الأمر في نوبة سهر، حين استوعبتُ أنني أتذكر مريضًا بعينه، لم أعلم أبدًا أنني أتذكره، وأذكر قصته المؤلمة، وأذكر كيف بكيتُه وكيف اختفى من ذاكرتي حتى جاءت ليلة عمل هادئة فقفز فجأةً إلى عقلي. أتذكر بكاء والدته، واسمه، وسريره، وأدويته؛ لم تجد الذكرى من يزاحمها تلك الليلة في رأسي، فظهرت واضحة قوية مؤلمة.

في نهاية الساعة الثانية عشرة من ساعات العمل، وأنا أسمع نغمة جهاز البصمة ثم تتعرّف على إصبعي في بصمة الخروج، تشتعل ذاكرتي مجددًا.

أحاول ممارسة النسيان بشكل واعٍ هذه المرة: أنسى اسم الشاب مبتور القدم، لكنني أسير إلى البيت. أحاول نسيان المرأة التي أجهضت بعد حمل عزيز، لكنني أشعر بألم شديد أثناء دورتي الشهرية العادية. أنسى الزوجةَ الباكية على باب العناية المركزة، لكنني أبكي على أتفه شيء.

يجافيني النسيان، لكنني أحاول ممارستَه مع نهاية كل نوبة، صراعٌ دائم حتى نسيتُ أنه يحدث.

شارك هذا الـمقال