منذ طفولتي، لم أعرف العيد كما يحكي عنه الآخرون، لا مع إعلان الرؤية الذي كنا نترقّبه عبر الراديو، ولا مع تكبيرات الفجر. ولكنّي عرفتُه رائحةً.. رائحةَ كعك أمي، حين تبدأ في إعداده خلال الأيام الأخيرة من رمضان، فتملأ البيتَ دفئًا وتوقظ في قلبي يقينًا خفيًا بأن العيد قد بدأ بالفعل، حتى قبل أن يُعلنه أحد.
هناك، في المطبخ، تبدأ الحكاية. أمي لا تتحدث كثيرًا عن العيد، بل تَعجنه بيديها، وتُشكّله في صمت، وتترك للفرن مهمةَ إعلان اكتمال المشهد: كعكٌ، وبسكويت النشادر، وبيتي فور، وغريبة.. تفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة لي ملامح الفرح نفسه.
كعك العيد في بيتنا ليس مجرد حلوى، بل طقسٌ جماعي تُعاد فيه صياغة الذاكرة كلَّ عام؛ صوانٍ تخرج من الفرن وأخرى تنتظر دورها، ويدٌ تمتد لتجرّب قطعةً ساخنة، ثم يأتي الصوت المعتاد: ”اتركيها حتى تبرد!“ في تلك اللحظات لا يكون العيد قادمًا… بل حاضرًا بالفعل.
عرفتُ العيد من ”تنفيض البيت“. طقسٌ لا يقلّ أهمية عن الكعك نفسه، يستغرق أيامًا كاملة، تنتهي دائمًا بالمشهد ذاته: سجادٌ نظيف، ومفارش جديدة تحتفظ بها أمي خصيصًا للعيد، كأنها تُعيد ترتيب البيت ليليق بقدومه.
وفي آخر أيام رمضان، تحديدًا في وقفة العيد، يتغير إيقاع اليوم؛ نأكل ما تبقّى من طعام الشهر كأننا نودّعه على مهل، ثم نمضي إلى بيت خالي، حيث تجتمع العائلة وتبدأ السهرة التي تتكرر كل عام بتفاصيلها التي لا تتغير، دون أن تفقد معناها.
في قاموس عائلتنا، الساعة الثانية عشرة تعني أن الطعام يجب أن يكون حاضرًا، وللمائدة قواعدها الثابتة: فلافل محشيّة بالبسطرمة، وبجانبها الكعك وبسكويت النشادر، وأكواب الشاي باللبن التي تُكمل المشهد.
وفي زاوية أخرى من بيت خالي، وتحديدًا في غرفة زوجته، يبدأ طقسٌ مختلف: جلسة الحناء، حيث تتحول الأيدي إلى لوحات صغيرة، وتتحول البنات فجأةً إلى خبيرات تجميل، كلٌّ منهن تحمل وصفة، وكل وجه مشروعُ ماسك جديد. ليست العناية بالبشرة هنا مجرد رفاهية، بل مشاركةٌ خفية للفرح.
ثم تأتي اللحظة الأكثر حماسةً، تلك التي تنتظرها بنات العائلة وأطفالها: لحظة الحصول على ”العيدية“ من رجال العائلة، ذلك التفصيل الصغير الذي كَبِر معنا لكنه لم يفقد سحره أبدًا، مهما كان عمرنا.
أتذكر أول عيدية حصلتُ عليها من والدي؛ كنتُ في الخامسة أو السادسة من عمري تقريبًا، وقرّرتُ أن أشتري عروسة باربي. كنتُ أحصل على العيدية قبل ذلك، لكنها كانت تذهب إلى أمي بحكم ”قانون العائلة“: عيدية الطفل الصغير من حق والدته.
يمضي الليل، ويبدأ الفجر في الظهور، ويعلو صوت الأذان؛ نستعد للنزول إلى المسجد القريب من البيت، نصلي الفجر ثم ننتظر حتى يحين وقت صلاة العيد.
ثم تأتي المرحلة الأخيرة: صلاة العيد، التي لا أذكر أنني استمعتُ يومًا إلى خطبتها كاملةً، ليس لأنني لم أكن مهتمة، بل لأن المصلى كان ممتلئًا بأحاديث النساء: حكايات عن الكعك، وعن تنفيض البيت، وما تبقّى من مهام لم تكتمل بعد بسبب تقصيرنا نحن البنات في حق أمهاتنا.
العيد في ذاكرتي ليس يومًا واحدًا، بل سلسلةٌ من اللحظات التي تُخبَز ببطء في يد أمي وهي تُشكّل الكعك، وفي ضحكة عائلتي حين تجتمع، وفي نقش حناء لا يدوم لكنه يُخلّد اللحظة، وفي صوت التكبيرات الذي يُعيد كل شيء إلى مكانه الصحيح.
هكذا كان العيد بالنسبة لي: في الروائح والأيدي والضحكات، في كل ما عشتُه عن قرب، مختلفًا عما يُعلنه الآخرون.