⁠العاشرة مساءً
٥٥٥ كلمة

يخبر البطل خطيبته فور وصولهم باريس أن باريس مدينة رائعة تحت المطر، يفعل هذا بحماس طفولي ودهشة عذبة، ترد عليه في تأفف بأنها لم تفهم يوما لماذا يحب الناس الأمطار، وأنها تكره شعور البلل والملابس التي يفسد المطر شكلها، وبالفعل تتركه ليمشي وحده وتختار العودة للمنزل بالسيارة.

في نهاية الفيلم بالطبع -وكما هو متوقع- تنتهي علاقتهم، ويختار هو البقاء في باريس لمطاردة حلمه بينما تعود هي لأمريكا.

أذكر حين شاهدت الفيلم لأول مرة في سن مبكرة كراهيتي المجنونة لشخصية خطيبته وكل ما تراه وتفعله، أما وقت المشاهدة الثانية فكانت مشاعري ناحيتها أقرب للشفقة، لأنها لا تعلم قيمة ما تفوته في هذا العالم.

هناك طريقتان فقط لتعيش حياتك: الأولى كأن لا شيء معجزة، والثانية كأن كل شيء معجزة، تنسب المقولة لآينشتاين ولا أظنها له، لكنها لا تبعد كثيرا عن طريقة تفكيره.

تحدث أينشتين كثيرا عن الدهشة التي تلازمه في نظرته لكل شيء تقريبا، وأن الدهشة هي التي تقوده للتساؤل وبالتالي الاكتشاف، وتقديري أن الدهشة هي الشيء المشترك بين العلم والفلسفة والشعر، فهي بداية رحلة البحث عن أجوبة، باختلاف طرقها.

أتأمل فأجد أن كل شيء معجزة فعلا لو نظرنا له بهذه الطريقة، السماء بسحابها ونجومها معجزة، وشمس الشتاء الدافئة معجزة، واللون الأخضر للشجر معجزة، ودورة الفصول، وأشكال الورود، والمطر، والبحر، وألوان الفاكهة، ونكهات الطعام، واختلاف شخصيات الناس، وقدرتنا على التنفس، والمضغ، والمشي، والحب، والغضب، والنوم كلها معجزات.

حين نقرر البدء في النظر للأشياء بدهشة، تكون المكافأة أننا نرى المعجزة بداخلها فعلا، وبالتدريج تزيد قدرتنا على استشعار الجمال الكامن في كل شيء. يقلل هذا من غضبنا، ويزيد من قدرتنا على الامتنان وتقدير قيمة كل ما حولنا، فضلا عن تأثير هذه النظرة على زيادة الابداع والالهام في المهن التي تتطلب هذا.

أما النظر للحياة كأن لا شيء معجزة، وهو الاختيار الأسهل والأقرب بطبيعة الحال، لأن آفة الإنسان هي الاعتياد، فهو كفيل بجعلنا نرى الأسوأ في كل شيء، نرى البلل في المطر، ونرى الشجر كمسبب للبعوض، ولا نمتن لشيء، ونطارد لحظة كاملة لا تحدث أبدا ونغفل عن جمال ما يوجد أمامنا مباشرة.

نربي الغضب والسخط، ونفوت على أنفسنا الكثير من الأشياء.

البقاء مندهشا هو الطريق الأقصر لشباب الدماغ، حين نندهش يتدفق الدم في أدمغتنا، وتنشط مناطق جديدة في دماغنا وتتشكل وصلات عصبية جديدة، ومن نحن لولا الوصلات العصبية؟

تفتح الدهشة بابا للفضول، ويفتح الفضول بابا للبحث والتعلم واكتشاف آفاق جديدة، وكل هؤلاء معا يساهمون في الحماية من الخرف والزهايمر، والملل أيضا!

لا يتطلب الأمر السفر بعيدا أو التطرف في التجارب لنشعر بالدهشة، بل يبدأ وينتهي داخل رأسنا، ولا تتعلق الدهشة بالظواهر الطبيعية فقط، بل يمكن أن تشمل كل شيء في محيطنا.

بالأمس أثناء القيادة في زحمة القاهرة، وصلت للإشارة قبل أن تغلق بثلاثين ثانية، مكنني هذا من عبورها والشارع شبه فارغ تقريبا بينما تقف عشرات السيارات خلف الإشارة منتظرة لحظة الانطلاق.

اندهشت من فكرة الإشارة وشعرت بالامتنان لصانعها، وقادني هذا للبحث عن بداية إشارة المرور وتاريخها، ومنها لمعلومات تاريخية أخرى حتى وصلت للعصر الروماني، لست متأكدة من أني سأجد سياقا لتوظيف هذه المعرفة، لكن على الأقل تساءلت، وبحثت، وقرأت، وكل هذا بدأ بالدهشة.

يولد الإنسان أصلا وهو يرى كل شيء كمعجزة بالفعل، يندهش الطفل من كل شيء حوله ولا يتعلم إلا بهذه الطريقة، ربما تجد طفلا يستكشف لساعات ويحاول فهم طريقة عمل صنبور الماء، ويندهش في كل مرة يخرج فيها الماء منه.

لهذا فالدهشة أصلا في طبيعتنا، كل ما علينا فعله هو محاولة نفض تراب الأيام والاعتياد عنها، وقتها سندرك أن عصر المعجزات لم ينته بعد، نحن فقط لم نعد نراها.

شارك هذا الـمقال