الثانية ظهرًا
٦٢٣ كلمة

في المساء، بعد يومٍ طويل من الأصوات والمواعيد والوجوه، ثمة لحظة صغيرة تتكرر كل يوم: مفتاح يدور في الباب.

لحظة لا تبدو محورية في الوهلة الأولى، لكنها كافية لخلق شعور محوري؛ التخفف من العالم.

سألت صديقين عما تمثله هذه اللحظة لهم.

قال عبدالله: «طبطبة، مساحة خاصة وفرصة للهدوء، من غير عتاب ولا تفكير في احتياجات العالم مني.»

أما ميسرة فقالت: «الرجوع بالنسبة لي reset، عودة لمساحتي الآمنة، المكان اللي أقدر أكون فيه نفسي تمامًا، من غير مجهود ولا تكلّف.»

بين الطمأنينة في الأولى، والتأمل في الثانية، بدا لي أن البيت ليس مجرد مكان نلجأ إليه في نهاية كل مساء، فهو مساحة نسترد فيها أنفسنا من العالم.

أما عني، فعند عتبة بيتي، أشعر كثيرًا وكأنني أخلع عن كتفي ثقل العالم.

كنت أتساءل أحيانًا، لماذا نشعر دائمًا أننا أمام لحظة أكبر من مجرد العودة إلى البيت؟

لعل السر في أن علاقتنا بالبيت، في جوهرها، أشمل من كونها علاقة أحادية الاتجاه، بل هي ثنائية، فالبيت كما هو مكان نسكنه، هو أيضًا مساحة تسكننا وتتفاعل معنا.

البيت كونٌ شخصي

البيت ليس جدرانًا ونوافذ وعناصر معمارية فحسب، إنه شعور واضح بالخفة، وبالقدرة على أن نكون كما نحن دون تكلّف أو مقاومة.

في علم النفس البيئي يسمون ذلك «الارتباط بالمكان – Place Attachment»، وهو العلاقة العاطفية التي يكونها الفرد مع مكانٍ يمنحه الشعور بالانتماء.

حينئذٍ لا يُعرَّف البيت بجدرانه، بل على الأكثر بما يستدعيه من شعور بالسيطرة والأمان والتحرر.

على جانب آخر، يعرّف باحثون آخرون هذه الأماكن القادرة على تهدئة الجهاز العصبي وتصفية الذهن بـ«البيئات الترميمية أو المجددة – Restorative Environments».

والبيت، بما يمنحه من اتزان وهدوء، يمكن اعتباره أحدها.

لكن، هل ما نشعر به تجاه البيت نابع من حاجتنا إلى بيئة تُرممنا فحسب؟

أم أن لشكله، ولترتيب الأركان وخطوط المكان، دورًا أعمق في تشكيل إحساسنا بالانتماء، ومن ثم الحاجة المتكررة إليه؟

يصف آلان دو بوتون، الكاتب والفيلسوف البريطاني، في كتابه «عمارة السعادة – The Architecture of Happiness» أن البيوت، بجانب أنها تؤثر فينا؛ في مزاجنا وحالتنا النفسية، فهي تشارك في تشكيل ذواتنا؛ كيف نشعر ونفكر ونعيش، وكيف نرى الأشياء.

فالعمارة، في رأيه، ليست فنًا صامتًا أو عناصر جامدة، بل هي تجربة ومرآة تنطق بما يشغلنا: هدوء، توازن، أو حتى فوضى أو صراع يشبهنا.

البيت الجميل لا يسعدنا لأنه جميل فقط، بل لأنه يجسد حالة نفسية نرغب في الوصول إليها، ويمثل لنا وعدًا صغيرًا بالسعادة، وبأن الحياة يمكن أن تكون أكثر انسجامًا.

فالبيت الهادئ والمنظم مثلًا، قد لا يشبه حياتنا الفعلية، لكنه يخاطب فينا الجزء الباحث عن الطمأنينة والنظام.

حين نعيد ترتيب غرفتنا أو نختار ضوءًا أكثر دفئًا، قد تكون في الواقع محاولة للتماهي معها والتطبع بها.

لهذا السبب، حين نغادر البيت أو نغير تصميمه، نشعر بتبدل داخلي، وكأننا جزء من الحدث، أو أننا كذلك فعلًا.

في كتابه «جماليات المكان – The Poetics of Space» يرى جاستون باشلار البيت بأنه ركننا الخاص في العالم، وأول كون نمتلكه.

وفي نظره ليس البيت مجرد منتج معماري أو مأوى، بل هو ذاكرة حية وتجربة ذاتية تتشكل كامتداد لنا، وكون مصغر يحمينا من اتساع العالم وغرابته.

وفي البيت، يتعلم الإنسان أول أشكال التجوّل، لا بمعناه الحركي، بل الشعوري؛ حيث الانتقال من الداخل المحمي إلى الخارج المُخاطر.

فالداخل هو فضاء الحماية والأحلام والاستقرار، بينما الخارج هو فضاء المغامرة والمجهول واللانهاية.

وفي هذا العبور بينهما تتجسد دراما الوجود الإنساني؛ إذ يحلم الإنسان بالتحليق بعيدًا، بينما يحتاج في الوقت ذاته إلى جدران تحميه ويشعر بينها بالانتماء.

وأخيرًا، تخطر لي أحيانًا فكرة أن العودة إلى البيت فعل ثوري.

في الخارج، يُستنزف الإنسان بشكلٍ منتظم؛ بين العمل والمواعيد والامتثال المستمر لدورٍ لا ينتهي.

كل لحظة هناك تتطلب يقظة جديدة، حضورًا محسوبًا، وصبرًا طويلًا على الإيقاع الذي لا يتوقف.

فتظهر العودة إلى البيت كحركة عكسية، ولحظة عصيان؛ أن تضع العالم خارج الباب، وتمنح نفسك حق التباطؤ.

وبهذا المعنى، حين يعود المفتاح ليدور في الباب كل مساء، لا يفتح مجرد بيت، بل مساحة آمنة وفرصة لاستعادة الاتزان وترتيب الداخل.

ربما، في ذلك، استعداد صغير لحكايات اليوم التالي.

– The Architecture of Happiness»
Alain de Botton, The Architecture of Happiness, 2006

– The Poetics of Space»
Gaston Bachelard, The Poetics of Space, 1958

شارك هذا الـمقال