⁠العاشرة مساءً
٤٧٨ كلمة

٩٠٪ من أفكاري رديئة

٩٠٪ من أفكاري مكانه سلة الزبالة، لكنني أبدو على قدر معقول من الذكاء في أعين الآخرين لأنني أحتفظ بها لنفسي.

لديّ نظرية أؤمن بها فيما يخص العملية الإبداعية، الكتابة أو الرسم أو أيًا كان. وهي أن كل شخص مبدع يحمل داخله شخصيتين على طرفي نقيض: شخصية المبدع، وشخصية الناقد.

المبدع هو المسؤول عن الدفع إلى الأمام. وظيفته إنتاج الأفكار دون توقف. يتخيّل الاحتمالات، ويفتح المجال أمام كل ما يمكن أن يظهر في الذهن.

لا يحسب النتائج أو الجودة.

لا يسأل: هل الفكرة جيدة؟ ولا يهتم إن كانت عملية أو حتى قابلة للتنفيذ.

كل ما يهمه هو الإنتاج.

في المقابل، هناك الناقد. دوره التقييم والفرز.

يراجع ويرفض ثم يُبقي على ما يراه جيدًا بما يكفي.

الفكرة هي الآتي:

إذا تدخل الناقد مبكرًا أكثر من اللازم فإنه سيقطع حبل الأفكار قبل اكتمالها، وسيقمع الإبداع قبل أن يأخذ فرصته الكاملة.

هناك صنف من الناس يسود داخله صوت المبدع، بينما صوت الناقد خافت لا يكاد يبين. النتيجة: أفكار سخيفة يقولها بلا تردد، ومشاريع فاشلة، فكرتها حلوة، لكن لا علاقة لها بالواقع.

وبخلاف المبدع، فالشخص الذي يعلو بداخله صوت الناقد لا يكشف من نفسه شيئًا. يحسب حساب كل كلمة قبل أن يقولها، لكنه لا يتحرّك إلى الأمام. ولا يصل إلى أي وجهة كانت.

من خلال تجربتي، وصلت إلى قناعة واضحة: أغلب أفكاري سيئة.

وهذا أمر طبيعي.

أكثر من ذلك، إنه أمر ضروري.

ليس هناك من طريقة أخرى. لا بد من العبور خلال الأفكار الرديئة التي تخطر لك. هذه مرحلة لا يمكن تجاوزها، وهذه الأفكار يجب أن تخرج أولًا، يجب أن تُكتب وتُستهلك.

حتى أتمكن في النهاية من الوصول إلى العشرة في المئة المتبقية، وهي الأفكار التي تستحق العمل عليها.

محاولة الوصول مباشرة إلى الفكرة الجيدة دون المرور بسيل أفكار رديئة وهم طفولي.

الخلق عملية تراكمية فيها صبر على قدر معقول من الرداءة.

لذلك، تعلّمت أن أسمح للمبدع داخلي بالعمل بحرية كاملة، دون رقابة. وعندما ينتهي، يأتي دور الناقد في وقته. ويميز الخبيث من الطيب.

خلال أحد فصول دراستي في قسم العمارة، كان لديّ مقرر يتطلّب تسليم مشروع كل فترة. وفي إحدى الليالي المقمرة، كنت في الشرفة، أنظر إلى السماء، جاءتني فكرة عبقرية، بل اعتقدت أنها أفضل من أي فكرة جاءت لمعماري قبل هذا. غرور المراهقة هذا..

وكنت كلما جلست لأعمل على مشروعي، كانت تلك الفكرة تقودني في اتجاه مختلف. لم أصل إلى الهدف الذي وضعته في البداية، بل انتهى إلى مشروع مختلف تمامًا.

كان ينال إعجاب أساتذتي وزملائي. فأقول لنفسي: ”انتظروا حتى تروا فكرتي الأصلية!“

تكرر هذا أكثر من مرة. في كل مرة أحيد عن الفكرة التي بدأت بها، ثم أقدم عملًا فنيًا أفضل.

وأخيرًا عندما نفذت فكرتي الأساسية، لم تُستقبل بنفس الحفاوة.

كدت أرى في نظرة أستاذي إلى لوحتي تعبير: ما هذا الهراء الملون؟ كانت فكرتي واحدة من تلك الأفكار الرديئة التي كان يجب أن أتجاوزها. لم أسمح لتدفق الأفكار أن يأخذ مجراه حينها.

تعلّمت بالطريقة الصعبة أنه على الواحد أن يتواضع حتى فيما يعتبره من أفكاره الجيدة أو الرديئة.

شارك هذا الـمقال