تسألنى عن علاقتي بالمال؟
علاقتي بالمال مبنية على الخوف والخوف فقط. قراراتي الشرائية تتلخص في:
هل أمتلك ما يكفي من المال لشراء هذا؟
وكم سيتبقى معي بعدها لنهاية الشهر؟
وكيف سيؤثر هذا على مدخراتي؟
قد تظن أنني ولدت في أسرة رقيقة الحال اعتادت على ألا تمتلك الكثير، وعلى أن تعد القروش وتتحسب لأهوال الزمن.
الحقيقة أننى وُلدت وفي فمي ملعقة من فضة، فأنا ابنة لأسرة مصرية ممن هجروا مصر إلى الخليج في التسعينيات، وُلدت هناك، حظيت ببيت جميل، خادمة فلبينية، سيارة موديل السنة يقودها والدي ليصحبنا للملاهي في نهاية كل أسبوع، كتعويض عن غيابه هو وأمي باقي الأيام، حظيت بما لم يحظ به الكثيرون ممن قابلتهم في حياتي، لكن الخوف كان هناك وسط كل هذا.
والدي لم يحظَ بمثل طفولتي، كان الطفل قبل الأخير وسط ٧ من الإخوة والأخوات، توفى والده قبل أن يشتدّ عوده، كان يمتلك حذاءً واحدًا فقط، كان يرفض دعوة أصدقائه للعب الكرة حتى لا يتلف حذاءه لأنه لا يستطيع تحمل تكلفة واحد جديد.
أتذكر البيت الذي ترعرع فيه والدي، كان صغيرًا وغارقًا في التفاصيل الكلاسيكية لكل البيوت المصرية من تلك الحقبة، وكان دافئًا وحنونًا لأن جدتي سكنت فيه.
إلى يومنا هذا، لم أرَ والدي يبكي قط إلا عندما استقبل خبر وفاة جدتي الحبيبة على بعد آلاف الأميال منها، وعندما أصبح طبيبًا شهيرًا قرر أنه لن يذيقنا الحرمان أبدًا، حتى وإن أفسدنا ذلك.
وهذا كما أراه الآن ربما يكون خوفًا من إعادة اختبار مشاعر الحرمان والألم القديمة، أكثر من كونه رغبة مخلصة في العطاء.
والدتي على الجهة الأخرى هي الكبرى ضمن تسعة من الإخوة والأخوات، جدي لأمى كان ذا مال، لكنهم تعرضوا لأهوال النكسة والعدوان وحرب أكتوبر لأنهم من سكان سيناء.
حكت لي أمي بعض الحكايات عن نقص الطعام في تلك الفترات، عن الخوف والظلام والاختباء تحت الطاولة أثناء الغارات، خوف كهذا لا بد أن يترك أثرًا. لم أعش هذه الأيام، ولكن يبدو أن الخوف تسلل عبر الوعي الجمعي لأسرتنا بشكل ما، فصرت أختبر لونًا منه لم أعش أسبابه، نوع من الصدمة العابرة للأجيال كما أفترض.
قرأت في إحدى الدراسات المرتبطة بالسمنة، أن الأجداد الذين تعرضوا للمجاعة أو ظروف الأسر القاسية في شبابهم، أنجبوا أحفادًا أكثر عُرضة للسمنة.
تخيل الجد النحيل الذي عاصر المجاعة، ونقص الغذاء يعيد تشكيل طريقة عمل حمضه النووي بأكمله، ليصاب حفيده بعد جيلين كاملين بالسمنة، لأن جسده الصغير ما زال يظن أنه يحيا داخل المجاعة ولا بد له من تخزين الطاقة.
حفيد الحاضر بجسد يعيش في الماضي القاسي ويعمل حسب قوانينه!
أنا لا أخزّن الخوف ولكن أشعر أن الأمرين متشابهان. أنا أختبر الخوف كل يوم، خوف من نفاد المال، خوف من تقلبات الدهر التي تستلزم الكثير من المال، وخوف من ألا أستطيع الاستمرار في العيش بنفس الرفاهية التي اعتدتها إذا نقص المال.
المال ليس مصدر خوفي الوحيد، ولكن لعله الأكبر في حياتي الآن.
أحلم دائمًا أن أصبح ناجحة فيما أعمل حتى أمتلك الكثير من المال، لا لأشتري الأشياء وأحيا برفاهية أكثر بل لأشعر بالطمأنينة فحسب، لكنني الآن خائفة أيضًا، إذ ربما لن تأتي هذه الطمأنينة قط.