⁠العاشرة مساءً
٤٠٦ كلمة

كانت لحظة إدراك خاطفة، بل مبهرة.

اللابتوب أمامي، والساعة على أقصى يمين الشاشة هي الثالثة صباحًا، يجدر بي أن أنام، بل أنني نائمة فعلًا، لكن عيوني المنتفخة لن تنغلق تمامًا حتى أنتهي من متابعة اللقطة المضيئة بضوء فج أمامي.

هذا هو المشهد الأخير من الحلقة الأخيرة. مسلسل الله وحده يعلم كم مرة شاهدته.

إنه ليس مبهرًا ولا مدججًا بالتقنيات الفنية كأولئك الذين سأشعر بالفخر لأنني قادرة على فهم الفلسفة خلف زوايا تصويرهم والإسقاطات العابرة في حواراتهم، لكنه يؤدي بالنسبة لي دورًا أكثر أهمية.

إنهم – الأبطال – سيسيرون خلف تترات النهاية في مرج أخضر، عند شروق الشمس أو غروبها، لن تكون كلمة ”أحبك“ طرفًا في الحوار، فقد سبق وقالوها في الحلقة الماضية.

إنهم الآن في المرحلة التالية، حيث لم تحدث الأمور فحسب، بل ارتكزت في أماكنها. لا موجات متلاطمة، بل شط صيفي مسالم.

إنهم في منزل العائلة الريفية أو جالسين قُرب الفنار بعدما خرجوا من الحفل الصاخب. لن يقنعوا أيّ شخص في هذه اللحظة بقبول قصتهم.

إنهم أيضًا – لو لم يكن هذا مسلسلًا رومانسيًا – قد وجدوا الخلاص أو تقبلوا عدم وجوده، لو أنهم سبق وضُرِبوا في مشاهد ماضية، فجراحهم الآن مضمدة وآثارها باهتة.

إنهم بخير، أو على الأقل يتوقعون أن يكونوا، سأراهم هكذا أولًا ثم أخلد للنوم.

هذا هو جزء الإدراك، أما جزء الإبهار فلا يتعلق بي، بل بفتاة أعرفها اعتادت أن تفعل ما هو أغرب حتى مني.

هذه الفتاة دخلت عليها أمها لتوقظها في ميعاد المدرسة فوجدتها نائمة على الأرض في عز ديسمبر بلا غطاء ولا وسادة، لماذا؟ لأنهم على السرير؟ ولماذا ليست هي أيضًا هناك؟

لأن عروستين بلاستيكيتين، وعروستين قماشيتين، ودبدوب بفرو أبيض، وكتكوت بفرو أصفر، وحتى قطار فحم صغير، موجودون هناك، رؤوسهم فوق الوسادة – لا ينطبق ذلك على القطار – وأقدامهم دافئة تحت البطانية. ”إيه دا؟ إيه دي؟“ كانت أمها متفاجئة.

وعندما ذهبت للمدرسة في ذلك اليوم لم تقدر على فرد قامتها في طابور الصباح بسبب ظهرها المتألم، لكن في عقلها لم تعتقد أن هناك أية أزمة، لقد كانت بخير لأنها رأت تلك الوجوه القماشية قبل نومها، وتخيلت الدفء مرسومًا عليها.

عدة سنين تالية، تغير شكل وطباع هذه الفتاة، لكن عادتها بقيت كما هي، عندما تشاهد فيلمًا أو تقرأ كتابًا مر على إصداره عشرون سنة، تحب أن تعرف أن صناعه لا زالوا أحياء ومُقدرين.

وقبل أن تنام تريد لحظة واحدة من اليوم الصاخب، لحظة ترى فيها العالم بخير وموسيقاه غير درامية، وبالتة ألوانه ليست زاعقة البهرجة أو داكنة حد الكآبة.

وضعت هذه الفتاة رأسها على الوسادة بعيون جافة وقلب مرتاح.

هذه الفكرة غريبة، إنما لطيفة.

إنها لم تكبر، لقد بدلت دُميتها فقط.

شارك