هل أصبح الحديث عن التروما طريقة للتعبير عن الذات؟
الذي اختلف في نظري عند رؤية أحدهم يتحدث عن ”تروما“ عاشها على العام أيًّا كان سببها هو الشعور بالفخر الذي لا يخفيه السرد، وكأنها أكثر الأسباب التي تجعله إنسانًا، على أن الأسباب كثيرة إلا أن هذه الطريقة أصبحت مضمونة أكثر باعتبارها كما قالت كاثرين ليو في مقالتها طريقة للتعبير عن الذات، جزء من الهوية لا يُحبذ إسقاطه أو التواصل مع الآخرين دون الكشف عنه، متنازلًا البائح بذلك عن خصوصيته للعلن ليثبت أن الألم قد علمه ونوّره وجعل منه شخصًا أفضل.
في التراث موجود مفهوم أن الضربة الي ما بتموتك بتقويك بكثرة فهي أحد أساليب تهذيب الذات وحملها على الصبر والانفتاح على نتائج قد تكون غير متوقعة بعد أي تجربة أليمة، وهذا عامة ضروري للتربية.
ولكنها لم تضمن أن الضربة راح تقويك فعلًا وأن لا بد للجرح أن يورث نورًا لا ندبة إذا أنت قررت ذلك.
السائد اليوم هو أن عليك أن تعرف فائدة كل تجربة وتنقلها أيضًا دون النظر لاحتمال أن تجعلك تلك التجربة الأليمة قاسيًا أو حتى مجنونًا.
المرة الأولى التي تم استخدام فيها كلمة تروما للاستفادة منها على الفضاء العام كما ذكرت ليو هي استخدام أوبرا وينفري لها عندما أشارت لتعرضها للاغتصاب في طفولتها، لا تقلل ليو من ألمها ولكنها لم تر أن هناك أي سبب قد يدفع امرأة أصابت الشهرة والمال في أن تذكر التروما التي مرت بها سوى أن تقول للعامة إنني مثلكم أشترك معكم في شرط المعاناة ولم أحصل على ما ترونه ببساطة.
الحل فردي جدًّا إذن ولا علاقة له بالأسباب السياسية والاجتماعية إنما عليك أن تحذو حذو هذه المرأة التي لم تدع ما حدث لها يمنعها من أن تنجح في الحياة بمعايير النجاح المعروفة.
وهذا تضليل تجده ليو مقصودًا لصرف الجهود عن أي عمل جماعي قد يعتبر تغيير الحالة العامة الراهنة أساسًا لمواجهة التروما. شأنك هو شأنك وحدك وعليك أن تتدبر أمرك وحدك.
يقولون إن هناك أسبابًا أخرى للبوح ذات طابع رحيم غير أن تنال استحسان المجتمع مثل الألفة المرجو الشعور بها بعد أن تعرف أن أحدًا ما على هذا الكوكب عايش ما عشته.
عندما عبرت عن امتعاضي من كثرة المشاهير والمؤثرين ومن ثم الناس العاديين الذين يلقون بتجاربهم القاسية في وجوه الجميع لصديقتي بداية رفضت الحجر على طرق تعبير الناس عن نفسها واعترضت تقول:
ذاكرة لما المعلمة كانت تطلعك على السبورة عقابًا قدام الصف وبعد خمس دقايق تطلع وحدة تانية معك أكيد توترك قل هي ما حلت المشكلة هي بس حسستك بالونس.
لكن هل فعلًا يستحق إعطاء الآخرين شعورًا جيدًا كالونس من خلال عرض الألم؟
أساس قولي كله ألا يتم استرخاص الألم في سبيل أن تحصل على امتيازات أيًّا كان قدرها وشكلها وإن كانت مع نوايا جيدة مع احترامي لحاجة الإنسان الغلبان للامتيازات.
وهنا لا أدعو للانغلاق والتحسس من المشاركة مع الناس ولكن التعقل في النقل واعتبار أن التروما إن كانت حقيقية أي ليست تروما من قلي البطاطا أو لون معين مثلًا تحتاج وقتًا يختلف بين البشر وقد تظل بلا حل مؤلمة كبدايتها ولا تسير وفق الشكل الحالي للقصة من انهيار يعقبه نجاة.
لم أنسَ قصة تلك الطبيبة التي سردتها في فيديو عن تجربة قاسية في طفولتها والتي أنهتها بنصائح لمن عاشوا أحداثًا مماثلة على طريقة استخلاص العبر من درس القراءة في الابتدائي، في كل مرة أشاهد لها فيديو آخر تحكي فيه معلومة طبية.
قصتها أعطت مصداقية أكثر لنجاحها ورحلتها في الحياة في نظر الناس وفي نفس الوقت منعتها من أن تعبر عن نفسها بقيم حقيقية يستشفها الجمهور ويحترمها لأجلها باتباع الموضوعية والمنطق بدل التعاطف والأسى.
يستسهل الصغار البوح إما بدافع مساعدة الآخرين أو التعافي أو التقليد، ولا يلتفتون لطرق شتى يخلقها العقل البشري لتحمل الألم ومداراته غير البوح فيحصروا أنفسهم بإطار ضيق واحد في أعين الجميع حتى لا يجدوا متنفسًا لأجزائهم الأخرى في العيش والحركة، البعض سيحاولون توسيع الإطار وسيرفضون هوية الضحية الملازمة وسيعرفون أن ما حدث لهم لم يجعلهم أشخاصًا جيدين أو سيئين بالضرورة هو فقط شيء حدث لهم ضمن آلاف الأشياء التي تحدث لأي أحد..
والبعض سيجدها طريقة مجدية للوصول لما يسعى إليه دون الالتفات لما يخسره أثناء اتباعه للوصفة المعروفة للخروج من الألم.
رابط المقال:
https://www.noemamag.com/the-problem-with-trauma-culture