الثانية ظهرًا
٤٧٧ كلمة

دايمًا فيه حتة ناقصة. في الفرح فيه حتة ناقصة. في النجاح فيه حتة ناقصة. في أقرب العلاقات فيه حتة ناقصة. حتى في علاقة الإنسان بنفسه فيه حتة ناقصة.

عالم النفس جاك لاكان Jacques Lacan اتكلم عن الجزء الناقص ده، سماه بالفرنسية manque-à-être واللي معناه حرفيًا ”انعدام الوجود“. الترجمة الإنجليزية بتقول Lack يعني نقص، بس لاكان مش قصده النقص اللي عارفينه، لاكان كان يقصد زي ما سماه ايرفين يالوم Irvin Yalom (فراغ وجودي – Existential Vacuum).
فراغ بيدفع البشر إنهم يكون عندهم رغبة، والرغبة دي بتفضل موجودة لأن الفراغ ببساطة مش بيتملي. مش بالنجاح، ومش بعلاقة، ومش بأكل، ومش بأي حاجة تانية.

الظاهرة دي بتتجلى في حالة متكررة: لما الإنسان يقول لنفسه ”هبقى مبسوط لو اخدت الحاجة دي“ أو ”لو رحت المكان ده“، وفعلًا ياخدها أو يروحه، ويحس بالسعادة، بس فيه حاجة ناقصة.
كأنه كان بيحاول يملي فراغ، ملا جزء منه، وفضل جزء تاني فاضي. فحس إنه محتاج يعمل أكتر، وعمل، وحس إنه بيملي الفراغ، بس برده فيه حتة ناقصة.
والحتة الناقصة دي بالظبط هي اللي بتدفعك للمحاولة من تاني. كأنك في متاهة وشوفت المخرج بس أول ما بتوصل، بتكتشف إنك جوه المتاهة تاني.

وهنا لاكان سمّى الحاجة اللي الإنسان بيتمناها دي سواء أكل أو سفرية أو أي حاجة تانية Object cause of desire، يعني الحاجة اللي بتخلق الرغبة.
بتخلق رغبة إن الفراغ يتملي، وعلشان الفراغ مش بيتملي، بتخلق رغبة تاني، وعلشان مش بيتملي، بتخلق رغبة تاني… وهكذا.
وبيحصل تكرار بشكل لا واعي: نفس الحتة، نفس الرغبة، نفس العلاقة، نفس المشاكل، نفس القرارات اللي اتقال عنها ”مش هتتعمل تاني“. كأن في حاجة جوا بتدفع للتكرار من غير ما تتبان.

فرويد سمى ده ”التكرار القهري“ ومعناه إن البشر بيعيدوا نفس الحاجات والعلاقات بشكل قهري من غير وعي، لأن الجانب اللاواعي كأنه بيحاول يعيد صياغة حاجة من أول وجديد فبيدفع للتكرار.

لكن لاكان قال إن في الحالة دي الجانب اللاواعي بيكرر علشان يملي الجزء الناقص، بس الجزء الناقص مش بيتملي، لأنه خارج نطاق اللغة والرموز.
مش ممكن الوصول إليه بأي لغة، لأنه بيقاوم إنه يتمثّل. وده موضوع له عمق تاني هيتناوله موضوع مستقل.

المهم إن الحتة الناقصة هتفضل ناقصة. بين الإنسان والسعادة، أو الحد اللي بيحبه، أو حتى بينه وبين نفسه.
مش لأنه ناقص أو محتاج يكمّل نفسه، لكن لأن الفراغ ده وجودي. وطول ما فيه وجود، فيه فراغ.

وده اللي عبّر عنه أحمد شبكة في شعره لما قال:

اكتمالك….إلا حتة
و انشغالك….إلا حتة
انتصارك إلا حتة، و انحسارك إلا حتة
و السهر كان وعد صادق بس صادق إلا حتة
اللي عاشرك خَد سنينك إلا حتة
و اللي سابك ساب حنينك إلا حتة
و اللي خانك كان شريفك إلا حتة
الزمن يسرق شقاوتك إلا حتة
و الحبيب يغفر غباوتك إلا حتة
الغموض كشف الملامح إلا حتة
و الزعل انك تسامح إلا حتة
و السكوت تحبس كلامك إلا حتة
و الضمير كل اللي لامك إلا حتة
حتى اخر يوم ف عمرك هو موتك ..إلا حتة
فاللي يسكن جوه قلبك سيب له قلبك
إلا حتة..

شارك