الثانية ظهرًا
٧١٥ كلمة

في رحلة العمر، نمرّ جميعًا بممراتٍ طويلة تصطفّ على جانبيها أبوابٌ نتمناها بشدة؛ طرقنا بعضها حتى كلّت أيدينا، ووقفنا أمام بعضها الآخر بنظرات الخوف، الخجل، الرغبة، أو الرجاء.

لكن، هل فكرنا يومًا كم من العمر يضيع ونحن وقوفٌ على تلك العتبات، نبكي خُطًا لم يُقدّر لها أن تتجاوز العتبات، وننتظر معجزة تُعيد فتح ما أُغلق؟

فتح أبوابنا المغلقة التي لا نبرحُ من الرجاء بأن تُفتَح..

أبوابنا المغلقة صداقاتٌ يبِسَت ولا سبيلَ لاخضرارها، وظيفة مثالية لطالما ركضنا خلف مُتطلّباتها، مِنحة أو درجة علمية لم نوفّق لوصُولها رغم الركض الحثيث، الحُب الذي وجدَنا ولم نَجِده، أو الذي لسببٍ ما، انتهى دون أن نعِي لماذا؟

الأشخاص اللامعون من البعيد ولا نطُولُهم، والعشب الذي يبدو دائمًا أخضر لأننا لم نتفحصهُ عن قُرب.

جميعنا يملك ذلك الباب:

بابًا يخجلُ أن يطرُقه، بابًا يخافُ أن يطرُقه، بابًا يتمنّى أن يطرُقه، بابًا يكرَه أن يطرُقه، بابًا يكافِح ليطرُقه، بابًا تعِب من طرقِه، بابًا لا يقوى حتى إلى النظر إليه..آه، كم بابٍ وبَاب..

الباب، وغواية الفضول البشري:

لطالما كان الفضول هو المحرك الأول للوعي البشري، ولكنه أيضًا أصل عذاباته الأزلية. في الفلسفة القديمة، لم تكن كل معرفة تُعدّ مكسبًا؛ فقصة ”صندوق باندورا“ في الميثولوجيا، وقصص الغواية الأولى في الوعي الإنساني، وحتى قصة أبونا آدم وأمنا حواء مع الشجرة المحرّمة تعود بنا دائمًا إلى نفس النقطة:

الرغبة العارمة في كشف المستور والممنوع. إننا مصابون بـ ”هوس اليقين“، نتوهم أن الطمأنينة تقبع خلف المعرفة التامة، بينما الحقيقة أن بعض الغموض هو الستار الوحيد الذي يحمي هشاشتنا الإنسانية.

إذ ليس كل مبهم يحتاج إلى تفسير، وليس كل حجاب وُضع لنهتِكه، فخلف بعض الأبواب تكمن حقائق لو بدت لنا بالفعل لساءتنا كثيرًا جدًا.

ثمة لفتة تأديبية في القرآن الكريم حول هذا، إذ تقول الآية الكريمة:

(لا تسألُوا عَن أشياء إن تُبدَ لكُم تسؤكُم).

وهذا نوع من المنع الذي هو عين العطاء كما يقول ابن عطاء السكندري.

لذا، نعم.. ليس كل الأبواب صُنعت ليتم فتحها، ثمة أبواب موجودة فقط لاختبار قدرتنا على المضي دون أن يأكلنا الفضول عما وراءها، وثمة أبواب غير حقيقية.. نحسبها بابًا وهي خطوط من الوهم اللانهائي الذي نحسب أنه سيعبر بنا إلى بُعد آخر ولكنه غالبًا ما سيعبر بنا إلى الجحيم.

ولا أقول أن نخمِد قبَس الأمل بأن تُفتَح لنا لإعادة.. أممم.. لا أدري ماذا بالضبط.. ما مضى مثلًا، أو للبدء من جديد، ولكن أقول.. (ليس علينا الانتظار على عتباتِها).

أقول، ليس علينا أن نهدِر عمرنا في الركض خلف السبب من وراء إغلاقها.

نحتاج أن نتصالَح مع كل هذه الأشياء المحجوبة عنا، البعيدة عن مدى بصرِنا، والمتجاوِزة لإدراكنا، الأشياء التي انتهَت على أرض الواقع لكنها لم تنتهِ أبدًا في دواخلنا.. فثمة شيءٌ ما فيها ما زال عصيًّا على الفتح، والفهم.

أحيانًا محاولة عدم فهم الشيء هي فهم بحد ذاته، أو ما يمكن أن نسميه بـ ”التغافل الواعي“. لأن السعي وراء فهم كل شيء عبءٌ يُثقل الكاهل، وبالتالي تكون المحاولة الواعية لـ ”عدم الفهم“ أو ”التجاوز“ هي ذروة النضج والحكمة.

عالم النفس كارل يونغ لديه مقولة جميلة تدور حول هذا المعتقد: «أحيانًا، يتطلب الأمر الكثير من الذكاء لتدرك متى يجب عليك ألا تفهم، لأن الفهم قد يُلزمك بمواجهة واقع لست مستعدًا له بعد»

ثمة جحيم خاص ينتظر من يبحث عن المعرفة المطلقة في العلاقات أو الأقدار الطائفة حوله. فـ الفيلسوف الألماني ”نيتشه“ كان يحذر دائمًا من التحديق الطويل في الهاوية لأن الهاوية أيضًا ستحدق فيك.

عندما نُصرّ على نزع الأقفال عن الأبواب التي أغلقتها الأيام، فإننا غالبًا لا نجد خلفها ”الحقيقة المقنعة“ التي تمنحنا السلام، بل نجد ”الحقيقة العارية“ التي تحرق جلودنا.

إن معرفة أسباب التخلي، أو الاطلاع على النوايا الدفينة، أو كشف الغيب في مساراتنا الخاسرة، قد يتحول إلى ندمٍ أبدي. المعرفة الكاملة في عالم ناقص هي عقوبة، لذا يصبح الجهل الاختياري أحيانًا أعلى درجات التعافي النفسي، والوسيلة الوحيدة للتخفف من أعباء وجودٍ لا يرحم الفضوليين.

الشاعر روبرت فروست اختصر الأمر كله وقال:

«نصف الذكاء هو أن تعرف ما الذي يجب عليك أن تتجاهله».

نحتاج أن نرسخ في حياتنا مفهوم التخفّف، وعدم معرفة ما لا نحتاج معرفته. أن نركّز على الباب المتاح والمفتوح والذي بمقدورنا العبور من خلاله الآن.

خلف الأبواب المُوصدة في وجوهنا دائمًا رياحٌ قد لا نقوى على مواجهتِها، عواصِف لا نستطيعهَا، مشاهد قد لا تستهوينا. بعض الأبواب مغلقة لحكمةٍ ما، هذا كل ما نحتاج أن ندركه للنهوض من العتبة الآن والمضيّ قدُمًا.

في الموروث الشعبي يقولون :

”الباب اللي يجِيب الرِيح سِده واسترِيح“

وهو مثل لو تأملته ستجد أنه يعنِي بداهةً أن الأبواب المسدودة ليست سوى حاجز الحماية من ما يمكننا تشبيهه مجازًا بـ ”العاصفة“.

شارك