الثانية ظهرًا
٦٣١ كلمة

هناك شيء يحاول أن يخبرني أني لست وحدي

عندي شعور مختلط بالإعجاب والاستغراب ناحية الناس اللي بيتحركوا في الحياة بدون ما يشغلوا بالهم، أصحاب الأحكام القطعية والثقة العمياء في آرائهم وقدراتهم.

على المستوى الشخصي، أنا مش كده.

الكرسي اللي سبته للراجل الخمسيني في الأوتوبيس كان صح، ولا دي كانت رسالة غير مباشرة إن سنه كبير وإن ده باين عليه؟

الشاب اللي واقف بيوزع بروشورات في الشارع، كان صح إني مكسفوش وآخد منه، فده شيء كويس، ولا غلط بما إني مش مهتم وهاخده أرميه من غير ما أبص فيه؟

في كل مرة يتملكني هذا الشعور المرهق بعد مبالغتي في تحليل كل حاجة طول الوقت، وإن الناس «العادية» أكيد مش كده، أتذكر كلمات الشاعر مصطفى إبراهيم في قصيدته «المتأكدين»، متحدثًا عن الزمن:

”كل شيء وجهة نظر حتى الجنون

والغلط والصح أكتر من إنهم يكونوا اتنين

والرمادي هو أقدم لون“

يهدأ كثيرًا هذا الشعور الداخلي بالغربة، وأطمئن أنه حتى ولو لم أكن من هؤلاء المحظوظين، فعلى الأقل أنا لا أقف وحدي في ذلك الجانب الآخر من النهر.

تستطيع الآن، بناءً على الفقرة السابقة وبمعرفة بسيطة في علم النفس، التنبؤ بالكثير من باقي جوانب البنية النفسية لكاتب تلك الكلمات.

إحدى تلك الجوانب هي رغبتي في الهروب المستمر إلى الأمام؛ في تعليق الآمال دومًا على ما يمكن أن تكون الأمور عليه في المستقبل، في انتظار ذلك الإنجاز، أو العلاقة، أو المكان الجديد، أو التغيير الفلاني الذي سيصلح كل شيء ويعوضني عن كل ما مررت به.

لكنه، وفي المرات التي أنجح فيها في الوصول، أدرك فورًا — وبكل ما يمكن أن تحمله تلك الكلمات من شعور بالإحباط —:

«إيه ده… خلاص كده؟»

الفنان محمد منير، في واحدة من جواهره المدفونة في غياهب يوتيوب، يسأل قائلًا: «سؤال بسألك إيه آخرة الترحال وسهر الليالي وكل يوم بحال؟ سؤال، بسألك إيه آخرة الأحلام، ليلاتي وخداني في بحر من الأوهام؟».

لم تجبني تلك الكلمات على سؤالي، ولم أجد حلًا بعد لملء هذا الفراغ الموحش بداخلي، لكني مرة أخرى أدرك: والله واضح إني مش لوحدي، فتمام!

في لحظة صفاء، تقرر ذاكرتي — على غير العادة — أن تقوم بدور إيجابي في محاولاتي غير الجادة لخلق صوت أكثر تعاطفًا وتفهمًا مع نفسي بعد كل مرة «بعك الدنيا فيها»، فتذكرني بجملة للطبيب والكاتب جابور ماتيه في أحد لقاءاته:

«برغم كل ما قمت به من أجل أن أتغير، إلا أنه وفي مواقف تثير انفعالي، أحيانًا أقوم بردود أفعال توحي بأني لم أتعلم شيئًا».

فيكون أول رد فعل لي بعد سماع هذا الكلام: «وأنا كمان والله، دي لسه حاصلة معايا!»

يبدأ الرابر المصري الجوكر أغنيته «بندول» قائلًا:

«الناس فكرانا دوسنا زرار بقينا نضاف، غلابة…».

يذكرني هذا أن طريق التغيير يسلكه الكثيرون من الخطائين مثلي، وأنه ليس خطًا مستقيمًا يجب أن أقطعه مرتديًا ثوبًا ناصع البياض، وأن أي ذرة غبار تمسه قبل خط النهاية هي دليل تقصير أو نقصان.

هذه حقيقة محبطة جدًا في واقع الأمر، خصوصًا لشخص يسعى خلف هذا السراب المسمى بالكمال. لكني، وبعد سماع هذا «البار»، أجدني أكثر تقبلًا لفكرة أن «العك» جزء من الرحلة، وأنه ليس فشلًا.

هناك شيء إذًا، وفي أحيان كثيرة من خلال الناس والفن والتجارب الشخصية، يحاول إخباري أني لست وحدي، وهذا يساعدني.

لكن ماذا عن هذا الشعور الغريب بالاشتياق إلى أماكن قديمة كرهت وجودي فيها يومًا من الأيام؟!

ماذا عن هذا التناقض الغريب بين تأثري المفرط أثناء مشاهدة فيلم حزين، فيما تتبلد كل جوارحي عند فقدان أقرب الناس إليّ؟

من أين يأتي هذا الانجذاب العشوائي تجاه أشخاص وأشياء لا أعلم عنهم سوى أسمائهم؟

هل تأتي اللحظة في حياتي التي يكون فيها كل كتاب قرأته، أو بيت شعر تعثرت فيه صدفة، أو أغنية أرسلها صديق مقرب، قد أجابت كل نداءاتي ومحاولاتي المخلصة للتلاقي والانتماء إلى هذا العالم؟

”كل يوم بتأكد إننا ضايعين سوا
شاكّين لكن ماشيين
ورا المتأكدين بنقول
جايز شراعهم المقفول..
هوّ اللي هيلاقي الهوا
المتأكدين مش أغبيا
على الأقل ماشيين في اتجاه
المتأكدين
ناس مينفعش تسمعنا
المتأكدين
هما اللي بيمشّوا تروس الحياة
و احنا لسه بندوّر على المعنى“

ـ مصطفى إبراهيم

شارك