”معلش يا فندم هنقف شوية.. البنزين خلص“
الجملة العابرة من سائق التاكسي تبدو عادية، لكنها كانت بمثابة الضغطة على الزر الأحمر في المُفجرّ الذي يمسك به الشرير في الأفلام الرديئة مهددًا بتفجير نفسه، أو المكان، أو أي شيء تقّره ميزانية الفيلم.. ثم بوووم!
الانفجار..
انفجر طن من الـ T.N.T داخل نفسي الهشّة التي كانت بانتظار مجرد سعلة قوية لتنهار.. فابتلّت عيناي لاإراديًا وأشحت بوجهي خارج النافذة وقلت له إنه:
”تمام مافيش مشكلة“
ولكنني كنت أكذب، فهناك مشكلة مزمنة مُلحة درامية قد لا تعني للآخرين أي شيء، أو قد تعني مجرد لحظات عابرة من التعاطف الجاف في وسط دوامات الهموم الشخصية لهم.
اليوم أنا على حافة الواحدة والأربعين.. بشعر أبيض غزاه الشيب المبكر، لا أمتلك من الدنيا سوى بضعة آلاف قليلة من الجنيهات في درج مكتبي من المفترض أن تكفيني حتى أموت أو حتى أجد مصدرًا جديدًا للرزق.. أيهما أقرب.
كومبيوتر شبه مُحدّث.. ومكتبة عامرة ضاعت فيها مدخرات ضئيلة، وأشياء أخرى تجبرني تفاهتها على ألا أذكرها خوفًا من تلقي أحكام مُسبقة بالسطحية أو (المعيبة).
لا سيارة.. ولا بيت.. ولا زوجة.. ولا أبناء.
مجرد رجل في بداية الأربعينيات لم يلتحق بـ نموذج المحاكاة المجتمعي المُعلن.. رجل قضى مراهقته التعسة يلهو ويستكشف فلم يلتحق بنموذج برستيج التعليم الأكاديمي المرموق.
فسقط من حسابات الـ Career path.
هوى إلى قاع المهن، ودخل غابات الـ Call centers.. وامتهن كل كليشيه ممكن في هذا المجتمع بداية من التسكع على مقاهي وسط البلد حتى صلاة العيد بالجلباب الأبيض ونصف وعي، وحاول جاهدًا أن يدفن ”موضوع الشغف ده“ في أقرب بالوعة صرف تحولت بفعل السفلتة إلى مطب طبيعي في شارع متوسط الطول يصل بين وجهتين متناقضتين.
شغف كان قد ترسب بداخله مع أطنان الدخان والشاي والقهوة وملايين من صفحات الكتب التي التهمها التهامًا، ليتحول هذا الخليط إلى عجينة لطيفة متماسكة تنتظر الخَبز لتنضج وتتحول إلى نجاح شخصي ومهني يضعه في النموذج المقولب سالف الذكر.
شغف كان يجعله يخطّ سطور قصصه القصيرة –أثناء تلقي المكالمات– بقلم جاف مكسور على ظهر وريقات من ملزمة الـ Soft Skills التي كانت توزعها الشركة على موظفيها البؤساء من مرتادي الشيفت الليلي الذي اتفق الزملاء من كل أنحاء العالم على تسميته بـ ”شيفت المقابر“ Graveyard shift لأسباب بديهية.
ولكن على الرغم من ذلك كان الشغف حاضرًا وكان الحلم متقدًا في أوجه.
مئات المحاولات البائسة للتشعلق في ترام الكتابة، والعمر يمرّ بلا إنجازات كبرى تُذكر.. فقط تستيقظ من النوم تتلو الأدعية للتخلص من عذاب الـ Corporate وتحاول أن تُبقي تفكيرك في قصص النجاح المتأخر على غرار كولونيل ساندرز مؤسس سلسلة KFC الشهير الذي وصل لقمة النجاح في سن الخامسة والستين، أو حتى أضعف الإيمان؛ الفنانين المصريين أمثال حسن عابدين وسيد رجب وبيومي فؤاد.
وتبتسم الأقدار بزاوية فمها وتحدث المعجزة.. يصل هذا الشاب الشغوف إلى وجهته الأولى في الكتابة الاحترافية؛ ولا يهم إن كان قد وصلها على أعتاب الثلاثين – وهو السن الذي يبدأ فيه الجميع في الولوج إلى مرحلة الاستقرار المهني والشخصي بينما هو في مربع الصفر – ولكن.. من يهتم لكتالوج النمطية؟
أنا هنا ولا يهمني العالم، هذا ”صفري أنا“ ومنه سأنطلق..
ولكن من قال إن الرحلة ستكون مثيرة ممتعة بعد البدايات السعيدة؟ من قال إن الرحلة خيط أفق ممهد مرسوم في لوحة بديعة في جاليري منعزل يرتاده الحالمون والشعراء والفنانون ومحبو القهوة السوداء؟
كل خطوة كان أمامها عقبة، وكل عقبة كان أمامها حفرة إما شخصية أو مادية أو خيالية تشاؤمية تنتهي إلى واقع مرير.. ويصبح حينها الصمود بطولة فردية أمام الجموع.
وفي محاولة بائسة أخيرة تجاهد لإبقاء الجنيهات القليلة التي تكسبها من شغفك؛ تقبل أن تكون مجرد ”كشك كارتة“ ينقّح المحتوى.. ولكنك لا تبالي، فلا زلت في مطبخ الكتابة حتى ولو لم تعد ”الشيف“.
في لمح البصر تجد إحدى عشرة سنة قد سقطت من شجيرة الزمن الخاصة بك.
وأنت اليوم في مواجهة وحش أسطوري مرعب جديد وُلد من العدم، من نتاج تزاوج الفضاء الرقمي مع أباطرة المال.
وحش هائل بألف عين وألف ذراع وألف سنّ يزحف في جشع في كل أركان الإنترنت مهددًا نجاحك التافه – أنت وملايين آخرين – الذي عانيت عشرين عامًا لتراه، تنين بشع متعدد الرؤوس.. يستطيع بقدرته السحرية الشريرة أن يستبدل وجودك بأكمله بمجرد Prompt بسيط.
وتدرك أنه:
”الذكاء الاصطناعي مش هيسيبك في حالك“.
الخبر الصاعق البارد يهبط عليك كالطاعون ببطء.. فلا تعي جيدًا ما يقال لك في البداية:
– ”آسفين لحضرتك.. الإدارة قررت خفض العنصر البشري وهنعتمد في المرحلة الجاية على صناعة المحتوى الخبري بالذكاء الاصطناعي.. للأسف حضرتك مش مكمل معانا كمحرر أول..
إذا قبلت ممكن تكون مراجع للذكاء الاصطناعي.. لكن ده هيكون براتب أقل بكتير.. تقريبًا 25% من راتب حضرتك الحالي وطبعا إحنا مقدرين مجهودك.. لكن ده التطور اللي لو ملحقناهوش هنضيع كلنا.. ولو اعتذرت عن المهمة هنكون متفهمين تمامًا.. بالتوفيق في قرارك“
هل أكمل مشواري؟ هل أنتظر سيارة الأجرة حتى تعيد تعبئة الوقود لتكمل سيرها إلى مشوار مخيف لأبحث عن شغف ضائع في أرض التنين ذي الألف عين بلا أمان وظيفي ولا مادي ولا نجاح مهني ولا فرص حقيقية؟
هل هناك بداية جديدة بعد الواحدة والأربعين؟
هل سأنجو من الغضب والإحباط والفشل المتكرر؟
أعتقد أنني سأنجو.. سأكون بخير..
فقط لو قرأ أحدهم هذه السطور وفهم روحها؛ حتى ولو ضغط بعدها زر Delete أو Go back.