الثانية ظهرًا
٣٩٤ كلمة

”بالداخل يوجد ثقب أسود، وأحيانًا لا أجد سببًا يدفع للاستمرار في الحياة، بل أشعر وكأن لا يهمني إذا كنت سأعيش أو أموت“، هذه ليست كلماتي ولكن كلمات ”دان“، أحد المرضى الذين تحدثت معهم إلين آرون في كتابها ”الشخص مفرط الحساسية: كيف تنجو من ظروف العالم الصعبة“، ولكن كلمات يمكن أن يفهمها ويشعر بثقلها الكثيرون في عصرنا هذا.

أكتب تلك السطور أمام شاشة الجزيرة وهي تعلن عمّا يسمونه وقف إطلاق النار في غزة بعد عامين من الإبادة، عامان تركا أثرًا كبيرًا وجعلا أي شخص يدرك مدى ضآلة معاناته، ولكن كما قالت لي معالجتي النفسية مؤخرًا:

تظل معاناتك تخصك شخصيًا، لا أحد غيرك يدرك حجمها ومدى تأثيرها عليك، كل شخص سيحاول مساعدتك لتخطيها، ولكن هو أو هي فقط يراها من منظوره الشخصي، يرى شخصًا فقد ذويه للمرض كحالة وفاة ليس أكثر، يرى شخصًا فقد حب حياته كعلاقة فشلت ليس أكثر، هو أو هي لم يعيشا حياتك ولن يشعرا بما فقدت، أو كيف كانت تلك الحبيبة لك كشمس أضاءت ظلمات حياتك، أو كيف هي الحياة دون توجيه الأب وحنان الأم“.

تقول معالجتي إن علم النفس يضعني ضمن خانة HSP أو ما يعرف بHighly sensitive person، شخص عالي الحساسية، يتأثر عاطفيًا بقوة بكل ما يدور حوله، سواء بالسلب أو الإيجاب، على المستوى الشخصي أو العام، وفي نفس الوقت أنا شخص يتعايش مع الPGD أو Prolonged Grief disorder أو اضطراب الحزن المطول، وهو عدم القدرة على المرور بمراحل الحزن الخمسة الشهيرة والعودة للحياة الطبيعية عقب فقد شخصًا/أشخاص مقربين، ولذا يظل حبيس دوامة الذكريات.

هذا الخليط من المصطلحات العلمية المعقدة، ووفاة عائلتي، ورحيل من أحببتها لغيري، وعالم مجنون يرشح ”الرجل البرتقالي“ دونالد ترامب لجائزة نوبل ويتجاهل جريتا ثونبري وفرانشيسكا ألبانيزي ويمنحها في النهاية كمجاملة سياسة، يجعل كلمات دان عن الثقب الأسود حقًا ذات مغزى يومًا بعد يوم.

توقف الثقب الأسود في غزة عن ابتلاع المزيد، على الأقل فيما يخص عداد الموت والحياة تحت القصف، ولكن يستمر حضوره حاضرًا في عقول وأذهان الكثيرين، ومعادلة خوض غمار حياة طبيعية في وجوده رياضة تستحق مشاركة أولمبية.

لا أعرف لمن أكتب تلك الكلمات ولماذا، هي ”فضفضة“ ورسالة تضامن مع كل من هو مثل دان، يشعر بثقل هذا الثقب الأسود ومدى اتساعه وقد تكون كلماتي له عزاء ومساندة، والأخير يقول:

”أنا أتأثر كثيرًا وأتألم وأشعر، وأكره أن أفقد قوة هذا الشعور“

وأنا مثل دان، ممتن لشعوري بآلام ومعاناة الغير في هذا العالم، وإن كانت استراحة بين الفينة والأخرى لن تضر سيدي الثقب الأسود!

شارك