جلست تتأمل حياتها تتفرع مثل شجرة التين، ومن طرف كل غصن كان مستقبل رائع يومئ لها ويغمز بطرف عينه. كانت إحدى التينات زواجًا سعيدًا، وأخرى شاعرة مشهورة، وثالثة أستاذة جامعية متميزة، ورابعة سفر ومهن غير عادية، وخامسة وسادسة وسابعة إلى ما لا نهاية من احتمالات ثمار التين الجميلة الممتلئة.
ولكن للمفارقة تتضور الفتاة جوعًا حدَّ الهلاك، ذاك أنها لم تقرر أيَّ الثمار تختار. كانت راغبة في كل واحدة منها، غير أن اختيار واحدة يعني التخلي عن الأخريات. وهكذا جلست عاجزة عن اتخاذ القرار المناسب، فراحت الثمار تذبل وتسود، ثم سقطت على الأرض واحدةً واحدةً.
بهذا التمثيل البصري الجميل في رواية الناقوس الزجاجي عبرت سيلفيا بلاث عن واحدة من أكبر أزمات الإنسان المعاصر، وهي أنه إنسان مشتت التفكير ومفرق العزمات، لا يختار طريقًا إلا وعينه على كل الطرق التي لم يخترها، تأكله الحسرة على احتمالات السعادة في الطرق الأخرى وإمكانية أن يحصل على المزيد، وتنهشه التساؤلات طول الوقت عن صحة طريقه ومقارنته بطرق غيره حتى يخنقه القلق ويحرق نفسه بنفسه.
ومشتت العزمات ينفق عمره ** حيران لا ظفر ولا إخفاق
سمعت منذ فترة تحليل هذه الفكرة تحليلاً أثر فيّ كثيرًا للحد الذي يجعلني أعطيها – وأنا من أنا يعني – جائزة فكرة العام، جاءت في تدوينة صوتية على اليوتيوب للطبيبة سارة شاهين بعنوان ”مزايا الطرق الضيقة كما وصفها أوغسطين“، وهو أصل كل الحاجات اللي كاتبها في النوت دي.
هذه الفكرة ترجع إلى أخي الفيلسوف بيونغ تشول هان، وهي فكرة تحول العقل الجمعي البشري من ”ينبغي عليك“ إلى ”بإمكانك“ from you must to you can، وذلك أنه قبل المدن المليونية ومجتمعات الإنتاجية والسعي وراء المزيد كانت مشكلة الإنسان أن الخيارات أمامه محدودة ومحددة سلفًا، ونادرًا ما يستطيع الخروج عن المألوف.
أما الإنسان بتاعنا فهو إنسان غلبان، أمامه ما لا نهاية من الخيارات، وكل الخطابات تقنعه أن بإمكانه أن يحصل على مال أكثر وحبيب أكثر جمالًا وعمل أكثر راحة وتجارب أكثر إثارة، وهكذا تتجاذبه الطرق، وكلما ازدادت الخيارات الممكنة كان رضا الإنسان أقل.
فيقع فريسة القلق الدائم حول صحة اختياره والندم على كل الاختيارات التي لم يخترها. وهكذا يحترق الإنسان نتيجة السعي الدائم في كل الطرق والالتفات من منتصف الطرق مع أول بوادر السأم، فيتكون ما يسميه الفيلسوف ”مجتمع الاحتراق الداخلي“.
لازم نختار طريق
”اُدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ! مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!“. إنجيل متى 7 (13-14)
تقترح سارة في التدوينة أن يختار الإنسان طريقًا ضيقًا واحدًا، ويتنازل طواعية عن باقي الطرق، و”أن يفعل ما ينبغي عليه فعله“. حياة تستيقظ فيها عارفًا نفسك وشريكك وأصدقاءك، وتحددت فيها طرقك وتعرف ما ينبغي عليك فعله، هي حياة أنت فيها سيد لا ترس. فليس لنا إلا حياة واحدة، وما أضيق الباب الذي يؤدي إلى الحياة.
وهكذا تمتاز الطرق الضيقة بـالحرية واليقين، تملأ على الإنسان حياته وتذيقه من بهجة الحياة وخوازيقها ما يستطيع معه أن يقول بأنه عاش حياة كاملة. فليس علينا إلا أن نمد أيدينا ونقطف من شجرة التين.
هذه هي الطريقة التي أحب أن أواجه بها العالم، وهذه المهارة في رأيي هي السوبر باور التي يحتاجها الإنسان المعاصر، فهي كفيلة بأن تقضي على أغلب مشكلاته وتخفف من قلقه، وبدلاً من التوقف والتردد يختار طريقًا ويسير فيه بشجاعة الغشيم، فيتسع بمرور الزمن وتصيبه ظلال الحركة، ويستقبل ما تلقيه يد الله في طريقه من صدف وأصدقاء وذكريات تقاوم النسيان، ويجد أنه قد حصل جوهر الحياة.