الثانية ظهرًا
٦٤٦ كلمة

أفتح عيني على ضوء الصباح يتسلل من النافذة، أتمدد في السرير وأبتسم، اليوم يبدو جميلًا.

أسمع صوت فيروز من بعيد يغني: ”في أمل؟ إيه في أمل“، وأنا أجيب في سري: نعم، فيه أمل، اليوم فيه أمل.

الصباح

أنزل إلى المطبخ، أحضر فطوري بهدوء، عصير برتقال وخبز محمص وجبنة، لا عجلة ولا ضغط.

المطبخ صغير لكنه نظيف، النافذة مفتوحة، نور ربنا يملأ المكان.

أجلس على الطاولة، آكل ببطء، وأنظر إلى الشارع من النافذة، الناس يمشون، الحياة تتحرك، وأنا جزء منها.

بعد الإفطار

أخرج إلى الشرفة، أمسك إبريق الماء الصغير، أسقي النباتات واحدة واحدة، أتفقد كل ورقة، أنتقي الأوراق الميتة بحذر، أتأمل البراعم الجديدة التي بدأت تظهر.

أقف على الشرفة لحظات، أنظر إلى السماء، أتنفس الهواء النقي، أشعر بالشمس على وجهي.

و ”يتأكد لي مع كل صباح أن في هذه الحياة – رغم كل شيء – ما يستحق الحياة“ رضوى عاشور.

الجيم

أرتدي ملابس الرياضة، أنزل إلى الجيم.

أركض على السير الكهربائي، أشعر بجسدي يتحرك، بقلبي ينبض، أتنفس، أنا حية. أرفع الأثقال، أتمدد، أشعر بقوتي، أنظر في المرآة وأرى نفسي: متعبة، لكن سعيدة.

بعد ساعة، أخرج من الجيم، أستحم، أغير ملابسي، أذهب إلى عملي.

العمل

عمل أحبه، مكتب صغير بنافذة تطل على الشارع، زملاء يحترمونني، يسلمون عليّ في الصباح، يسألونني عن يومي، مساحة خاصة بي.

أعمل بتركيز، أنجز مهامي، أشعر بالرضا.

حين أنهي اليوم، أشعر أنني أنجزت شيئًا، أنني موجودة، أنني أكثر من مجرد شبح يمر في الحياة.

البيانو

أخرج من العمل، أذهب مباشرة إلى حصة البيانو. أضع يديّ على المفاتيح البيضاء والسوداء، أعزف، الصوت يملأ الغرفة. أخطئ، أعيد، أضحك، المعلمة تبتسم، تقول لي: أحسنتِ، حاولي مرة أخرى. الموسيقى تخرج من أصابعي، مترددة في البداية، ثم أكثر ثقة.

أغمض عيني وأعزف، وأشعر أنني في المكان الصحيح تمامًا.

ثم أسأل نفسي: إيه؟ فيه أمل؟ أجاوب وأنا أعزف: نعم ”ده هو الأمل“ هذه اللحظة بالذات.

الأصدقاء

في المساء، أقابل أصدقائي. نجلس في مقهى صغير، نتحدث، نضحك، نتبادل الحكايات، لا أنظر إلى الساعة، الوقت يمر ببطء جميل. نتحدث عن كل شيء: عن أحلامنا، عن مخاوفنا، عن الأفلام التي شاهدناها، قليل من النميمة أيضًا لا يضر. نضحك حتى تدمع عيوننا، أشعر بالانتماء.

القيادة

بعد العشاء، أركب سيارتي. أقود في الشوارع، أفتح النوافذ، أدع الموسيقى التي أحبها تملأ المكان بصوتٍ عال، الهواء جميل. أمر على شوارع لا أعرفها، أكتشف أحياء جديدة، أتوقف أمام إشارات المرور وأراقب الناس.

أشعر بالحرية، حرية بسيطة، لكن مدهشة، تشبهني.

السفر

في نهاية الأسبوع، أحزم حقيبة صغيرة، أسافر. أذهب إلى مدينة لم أزرها من قبل، أتجول في شوارعها، أدخل المقاهي القديمة، أتحدث مع الناس، أكتشف حيوات أخرى لا أعرفها. كل رحلة تعلمني شيئًا جديدًا، كل تجربة تضيف ألوانًا جديدة لعالمي.

أعود من كل رحلة وقد اتسع قلبي خطوة.

البيت

أعود إلى البيت، أفتح الباب، أدخل. بيتي الصغير، نظيف، مرتب، يشبهني.

أجلس على الأريكة، أفتح كتابًا، أو أشاهد فيلمًا، أو أطبخ شيئًا بسيطًا، أو لا أفعل شيئًا، فقط أجلس، وأتنفس، وأشعر بالسلام.

هذه هي حياتي، بسيطة، هادئة، جميلة.

فيه أمل؟ نعم، هذا هو.

الصحوة

أفتح عيني، الغرفة مظلمة. أنا لا أزال في سريري، لكنه ليس السرير الذي أحببته.

لا جيم، لا بيانو، لا أصدقاء، لا سفر، لا عمل أحبه.

فقط أنا، وهذه الغرفة، وهذا الثقل الذي يجلس على صدري كل صباح ولا يريد أن يرحل.

الاكتئاب! هذا اسمه، الاكتئاب الذي لا أعرف كيف جاء، ولا متى سيذهب، الذي يجعل كل شيء صعبًا، حتى الاستيقاظ، حتى التنفس.

”ويومية ليل وبعده نهار، عمري قدامي عم ينقضي“.

الضوء الصغير

في نفس الغرفة المظلمة، شعاع خفيف من الشمس يتسلل من الشباك، يلامس وجهي بلطف، يحرك شيئًا من ثقل الصباح على صدري.

أنظر إلى السقف، أحاول استحضار الحلم، البيانو، الأصدقاء، السفر، كل شيء كان جميلًا جدًا، كل شيء كان ممكنًا، حياة بسيطة، عادية، يعيشها ملايين الناس كل يوم.

أرفع عيني إلى الساعة، موعدي مع الطبيبة النفسية بعد قليل، جزءًا مني يرفض النهوض، وجزء آخر يعرف أن هذه الخطوة قد تكون بداية صغيرة للخروج من الظلام.

أتحرك ببطء، أعد شعري، أرتب ملابسي، أشعر بالضوء يلمس وجهي، وأدرك أن هناك أملًا هشًا يتسلل عبر الثقب الصغير في الظلام.

فعلى ما يبدو.. ”إيه فيه أمل“.

شارك هذا الـمقال