⁠العاشرة مساءً
٤٩٩ كلمة

في مراهقتي، وتحديدًا في بدايتها، كنت متمسكة بفكرة أن ”العمر مجرد رقم“. أعددت نفسي جيدًا لئلا أُصاب بداء الخجل من ذلك الرقم الذي كنت أشهده في همس من يكبرونني سنًا عند ذكرهم له، أو امتناعهم عن الإفصاح عنه، أو حتى تزييفه.

ظننت أنني نجحت؛ فها أنا أصل إلى مرحلة العشرين ولا أزال أتقد حماسًا وأتطلع لأيامي المقبلة، أفصح عن عمري وكلي ثقة، فلا داعي للكذب أو الخجل!

لم أكن أعي السبب وراء رهاب العمر الذي يعاني منه الجميع، إلى أن اتضح لي ذلك بمرور الوقت. فبعد أن انتصفت العشرين، بدأ الزمن يتفلت من يدي كرهًا؛ الفرص الدراسية قلت، فلا مكان لمن قارب على بلوغ الثلاثين، والعروض الوظيفية توقفت عند خط زمني معين يقيس عمرك بكم الإنجازات والخبرات.

ومواقع التواصل الاجتماعي لا تنفك عن بث منشوراتها التي تهيئ لك ضمان استدامة شبابك بخطى ترويجية مدروسة تستهدف نقطة ضعف الإنسان الكامنة في عمره وصحته.

فهذه إعلانات الكولاجين تملأ صفحات المؤثرين، وعروض عيادات التجميل ضد الشيخوخة تلوّح لك في إعلانات الطرقات. عندها يتلاشى ذلك الصلح الذي حرصت على بنائه، وتحمّلك مجريات الحياة – فوق رهاب تقدمك في العمر – مسؤولية الفرار منه.

بالرغم من أن التقدم بالعمر حقيقة مسلم بها وقدر محتوم، إلا أنه يمثل هاجسًا كبيرًا لدى فئة الشباب. فبحسب إحصائية على منصة ستاتيستا، فإن الأفراد الذين تتراوح أعمارهم ما بين ١٨ و٣٩ سنة هم الأكثر إصابة برهاب التقدم بالعمر، والمفارقة الساخرة هي أن النسبة تقل مع تقدمهم بالعمر!

إذا تتبعنا السياق الزمني لتطور الرهاب من التقدم بالعمر ثم انحساره، سنجد أن الأمر يعود لعلاقتنا بأعمارنا التي تحكمها بيئتنا ومجتمعاتنا.

خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة تكون علاقتنا بأعمارنا علاقة إيجابية؛ عندها يكون التقدم في العمر مرتبطًا بالحرية التي ينعم بها من يكبروننا سنًا، والفرص الواسعة التي يحظون بها، ونمط الحياة البديع الذي رسمناه في مخيلاتنا.

لكن، بمجرد انتقالنا إلى مرحلة الشباب تتبدد تلك الأفكار، وتنحسر الفرص، وتتحول تلك الحياة الوردية إلى ساحة قتال نكابد فيها توقعات مجتمعنا وتطلعات عائلتنا، فتتحول فكرة التقدم بالعمر إلى هاجس مخيف وفكرة مرعبة.

المجتمع يفرض عليك قوالب لا حصر لها ويقيدها بفترة زمنية معينة.

فخلال العشرين والثلاثين من عمرك من المفترض أنك تخرجت، وحصلت على وظيفة، وغالبًا استقريت عاطفيًا وماديًا، وأنجبت أطفالًا.

والإعلام يصور لك التقدم في العمر كمرض معدٍ، وفخ قاتل، وحالة استثنائية لابد أن تتفاداها بغرض الترويج لمنتجاته وخدماته التي تقدم وعودًا واهية بإنقاذك من قدر محتوم. تلك الأفكار تتأصل في ذهنك وتتحول إلى ضيف ثقيل يزورك في يوم ميلادك ويذكرك أن العمر يمضي وأنت لم تحقق شيئًا منها.

بالعودة للإحصائية سنجد أن التسليم بحقيقة التقدم في العمر والتصالح مع القدر يبدأ بمجرد بلوغ الإنسان منتصف الأربعين.

عندها ستكون على أقل تقدير قد استنفدت أغلب المحاولات لتحقيق المتوقع منك، محاولات صابت وأخرى خابت. سيخف عبء السعي المحموم وراء أهداف عامة فُرضت عليك، ستتعلق أهدافك بالمعنى لا المادة، وستصل لمرحلة من الرضا تدرك معها أن الأقدار تتفاوت، وأن الأهداف تختلف، وأن غنائمك من عمرك الذي مضى كنز ثمين سيعينك على القادم، فتبدأ بتقدير كل لحظة من عمرك وتراها بعين مختلفة.

عندها فقط ستفهم أن العلاج السحري الوحيد ضد تقدمك بالعمر هو أن تتصالح معه.

ملاحظة: كاتبة المقالة تحتسي كوب شاي مدعم بالكولاجين أثناء كتابتها.

شارك هذا الـمقال