أنا عديمة الذوق. كانت هذه وصمة في حياتي، فأنا لا أرفض أي شيء، ولا يوجد شيء أستهجنه. أحب الطعام كله، كل أنواع الملابس تعجبني، يطربني الكلاسيكي والحديث من الأغاني، أحب العمارة القديمة والجديدة.
لم أكره أي فيلم شاهدته، كل التصنيفات رائعة، الرومانسي جميل، الأكشن تحفة فنية، التاريخي خرافي، لا يوجد أي نوع من أنواع الانتقادات لأي شيء، وكان هذا شيئًا يسعدني، لأني اعتقدت أن سهولة المراس نقطة إيجابية، لكن لم يكن الأمر كذلك، فحين كنت أُسأل عن ذوقي في أي شيء، كنتُ أظهر كإمّعة أو جاهلة، أو في أحسن الأحوال شخصًا خجولًا لا يريد التعبير عن تفضيلاته.
في إحدى الحصص المدرسية، قررت معلمة اللغة الإنجليزية أن تسألنا عن طعامنا المفضل، كان يومًا شتويًا لم يحضر فيه كل الطلبة، وهذا جعل الأجواء أقل رسمية وأكثر عاطفية كما يحدث عادةً في نهايات الفصول الدراسية. ووسط ردود مبهرة عن الفتة والمحاشي ومختلف أنواع المشويات والمقالي، ظهرت إجابتي الغريبة جدًا: ”أحب الأرز الأبيض“.
كنت في المرحلة الإعدادية، ولكن كان رأسي عميقًا كحلّة الملوخية، وكانت إجابتي تحمل فلسفة كبرى: الأرز الأبيض محايد ويوضع بجانب كل الأطعمة، أحبه لأنه يعني أن ذوقي متنوع جدًا وأني أقدّر المائدة ككلّ. وكانت هذه الإجابة التالية التي سأقولها للمعلمة حين تسألني متعجبةً عن سبب اختياري.
لكن وياللدهشة، لم تفعل ذلك!
نظرت لي في استهجان شديد ثم تابعت سؤال الآخرين. يا للهول. الآن مع ردة الفعل السطحية هذه ظهرت كشخص متخلف تمامًا، يختار الأرز الأبيض كوجبة مفضلة. لا يوجد شيء يمكن فعله في هذه الحالة، فقد انتهى الأمر، وإن لم أجد شيئًا أكرهه حالاً سأصبح أضحوكة.
وحدث هذا في يوم عشوائي تمامًا، تذوقته للمرة الأولى: المارشميلو.
وحين لامس لساني وغدد تذوقي، شعرت بالأمر للمرة الأولى.
”يا له من طعم…… سيء!“
وأخيرًا، تغيرت حياتي.
أكره المارشميلو، لا أحبه.
طعمه الناعم لا يناسب ذائقتي، الحلاوة الغريبة التي تنفجر في فمي فور أكله، الطراوة المريبة وقت المضغ تستفزني وتصيبني بالغثيان والانزعاج. لم أدخر جهدًا في الحديث عن كرهي للمارشميلو، أنا الآن شخص يملك ذائقة، شخص يستطيع أن يقف على نفس الكفة مع أولئك الانتقائيين الذين يقولون لا لكل شيء.
لكني نضجت لاحقًا، وتأكدت أن سهولة المراس نعمة. فأنا أستطيع أن أشعر بالرضا في الوقت الذي يصرخ فيه الجميع رافضين ومعترضين على الطعام والشراب والملابس والأعمال الفنية، حتى أني جربت تناول المارشميلو عدة مرات لعلي أغير رأيي فيه، ولا أنكر السعادة الطفيفة التي تصيبني حين يحدث العكس كل مرة.