الطريق المختصر لبيت جدي يمر بمدخل طوارئ لمستشفى، ذو إضاءة خافتة، مرضى متعبون متروكون للانتظار، سيارة إسعاف، دراجات مسرعة، قهوة، تُعرض مباراة ما، أناس يهتفون. قهوة أكبر على امتداد الحارة الأخرى، وأخيرًا، صاحب محل وابنه الصغير بخدود مكتنزة، يضحك، فيعيد ترتيب المشهد.
عند استقراري في القاهرة منذ ثلاث سنوات، ربما أكثر، لازمني القلق، مع عدم أمان، ماذا لو ”اتثبت“؟ إلخ. أحيانًا لم أنجح في إخفائه بمصادفة كلاب تنبح، أو بتنقلي بالأتوبيس وأنا لم أكن أحفظ الشوارع، ظللت فترة أطلب من واحد ممن حولي تنبيهي إن أتت محطتي ولم أنزل.
حتى فوجئت، ففي الحالة الأولى أتى دائمًا صوت أحد المارة مشجعًا ”ماتخافيش، عدي“، وفي الثانية اتضح أنه حتى المدام في الكنبة في الخلف على علم بوجهتي، وتبنتني.
في تلك المساحات، بدا لي أن بعض المشاحنات تهدأ في وجود أطفال يتطلعون بعينين متسعتين، قرأت مرة مصطلح The Softening Effect الأثر الملطّف، الخفة التي تكتسبها نبرة الصوت ولغة الجسد بمجرد رؤية طفل، التحول من الفظاظة إلى اللين، مع صغار يملكون صلاحية لفعل ما يشاؤون.
كشد خصيلات شعرك، أو لكمك، أو تمرير قبلة في الهواء، أو تحيتك. أثر يجعلنا نتوقف عن التفكير المطول في كل ما سنقول، وإجراء حسابات معقدة تضع في اعتبارها أولًا نظرة الآخرين، ومشاعرهم، جعلني هو وتجارب أخرى أفضل البساطة والتلقائية.
في تجربتي الأولى والأخيرة غالبًا في التدريس، أعددت خطة محكمة، وموضوعًا جاهدت لجعله مثيرًا للاهتمام قدر الإمكان، حضرت قبل موعدي ووقفت في الخارج، مازحني زميل ”إيه كل الورق ده، عملتلهم امتحان؟“ صُدمت ”المفروض إني هعمل امتحانات؟“ ضرب كفًا بكف، ضحكت ودخلت الصف.
نسيت أول الكلام. أنقذني آدم أحد ألطف تلاميذي، اعتاد لف عنقه بالكوفية الفلسطينية والابتسامة بثقة، قال ”احكيلنا يا ميس أكتر عن الفكرة“. ظل يسألني بحماس وحماسه عدّاني وأنساني قلقي.
فتيات وفتيان أصغرهم في التاسعة وأكبرهم في الرابعة عشرة كتبوا مواضيع خلابة، بخط لا يسهل قراءته وأخطاء ميزتهم عن من استعانوا بالذكاء الاصطناعي. أذكر نصًا يدور حول عادة عائلية، تجتمع فيها عائلته على الأريكة لمشاهدة فيلم.
ركّز الموضوع حول نظرته للأريكة الفارغة التي تجعله يشتاق أكثر لأبيه، يختتم النص بأمنية لمّ شمل أسرته والجلوس معًا ومشاهدة فيلم. كتب آخر صفحة كاملة أنه لا يعرف عم يريد الكتابة، لكنه واثق من أنه يريد الكتابة عن شيء يدهش الجميع، وراح يتخيل حدوث ذلك وأننا نصفق له.
تعلمت من صفي الآخر، المشاغب، قداسة ضبط النفس، لأني معهم فقدت أعصابي كاملة، واكتشفت جانبًا في نفسي لم يرقني، جربت كل الحيل معهم، استعنت بالأصدقاء والأعداء، النتيجة فشل ذريع، أقصى نجاح هو هدوء لدقيقتين تتبعه عاصفة.
كتلاقي أعين اثنين فيتعاتبان مثلًا على عدم رده على رسالته البارحة. أقاطعهم بحدة ”هل تمزحون معي؟“
– معلش يا ميس، احضرينا
= بعد الحصة
– بس يا ميس
= بعد الحصة
أتعلم الدرس: هناك أمور ستظل خارج السيطرة، وأي محاولة للسيطرة عليها ستعود بك إلى نقطة فقدان السيطرة. حكمة أدركها زكريا الدرديري مدرس الرياضيات والفرنساوي لحد ما يجيبوا مدرس فرنساوي في فيلم الناظر.
قال لي أحدهم إذا أردت التعامل مع طفل عليك أن لا تخجل من أن تكون طفوليًا، واقترحت فتاة صغيرة لعبة من اختراعها ”أنا هقعد في حالي، وعشان تكسبي لازم تفضلي تحاولي تضحكيني“. أتطوع كل فترة في مساحات مختلفة تجمعني بهم، عيادات، معهد أورام.
وبطريقة ما يحدث ذلك فارقًا معي، لأن المكاسب المعنوية كلها تكون في محاولة إبهاجهم فعلًا، أو الاقتراب من ذلك في الاندهاش مهما كان الفعل متكررًا ”بص بص“، وأبص فعلًا كل مرة على أمل أن تكون الدهشة معدية.
كائنات متمردة، صاخبة، فضولية ووديعة حولنا، رسمهم فنان فرنسي هو بيير رينوار تحديدًا أولاده الثلاثة، لم يرسمهم بوقار مثلما فعل مع أبناء العائلات الأرستقراطية، بل كما هم.
وكما يمكن أن نراهم في الطريق، وفي المنزل، يشعرهم المنفلت ومزاجهم المتقلب. لقطات دافئة، موزعة على لوحات مثل ”غابريل وجان“ التي فيها أحد أبنائه مع جان المربية، بألوان ناعمة ومضيئة بخصلات شعرهم الذهبية، ولون البرتقال، في واقعية ساحرة في عفويتها.

لوحة غابريل وجان
أعود هذه الأيام مؤقتًا لبيت جدي، بذكريات خفيفة تجعلني أبتسم، أحدها تعود لتولين ذات الخمس سنوات، التي تفاخرت أمامها صديقتها بشعرها على ما يبدو بشكل تخطى حدًا ما.
سأحاول نقلها كما حكتها لي بعصبية ظريفة ”بتكيدني عشان عملت غُرّة (قَصّة شعر)، بتكيدني أنا! ما سكتش، رحت كلمت أبوي قولتله شوف أنا لازم أعمل قصة أنا كمان، ترضى أنكاد؟ لا.
خلص حكيت لأمي قالتلي استني أوديكي، ما استنيتش، الصالون تحت البيت نزلت الصبح وحدي، قولتلهم بدي أقص وأمي بتدفع بعدين..المهم شو رأيك، حلوة صح؟“