الثانية ظهرًا
٥٠٧ كلمة

الحب شاغلنا الأساسي.

من بين كل الأحاديث التي تدور، في البيوت والشوارع وحتى المكاتب المغلقة، يطل الحب. محور أساسي لحياتنا المعاصرة.

نتحدث عن العثور عليه، وفقدانه، وانتظاره، والحسرة عليه والترحيب به.

”ماذا لو لم أقابل شخصًا يشبهني، ماذا لو انتهى بي المطاف وحيدًا؟ هل كنت لأكون أسعد حالًا لو كذّبت قلبي؟“

أراه أحيانًا بوصلة نهتدي بها، بها ونعود إليها، وأحيانًا أخرى لا أعرف بالضبط كيف أتحدث عنه من الأساس.

توقعت من الحب في البداية أن يكون جميلًا فحسب.

جميلًا إلى حد الاكتمال.

قليل من الصداقة، كثير من الشجاعة والصدق.

توقعتُ أيضًا ألا يختنق صوتك وأنت تتحدث عنه. ألا يترك فيك جرحًا غائرًا. ألا يستجلب لك الشفقة والمواساة من رفاقك الذين يؤكدون أنك تعلمت الدرس. أنك لا تزال في مقتبل العمر.

لكن من قال إن جميع الخيبات دروس!

حكمتي الأخيرة تلك لم تكن شيئًا مقارنة بـهيراياما من فيلم “Perfect Days”. يصحو فجرًا، يحلق ذقنه، يرتدي ملابسه، يشتري القهوة من آلة البيع، يقود شاحنته الصغيرة نحو عمله في تنظيف مراحيض طوكيو العامة.

يعيش وحيدًا، يملأ أوقات فراغه بالقراءة، والتقاط صور للأشجار تحت ضوء الشمس، وتناول الطعام.

يصغي أكثر مما يتكلم ويبدو متصالحًا مع كل شيء.

لا أملك من ذلك التصالح غير تلك الهواية المحببة الخاصة بالأشجار.

توقعت دومًا أن الحب الرومانسي هو ما يأتي كترضية. سلام مؤقت تعقده مع العالم، يكفيني أن أراقب الشجر لأعلم أن هناك أوجهًا كثيرة للحب، أحدها يستوجب النظر إلى داخل نفسك وإلى المرآة.

للمفكر المغربي سعيد ناشيد كتاب اسمه ”التداوي بالفلسفة“، وفي واحدة من الأفكار التي يقدمها يقول: ”الأهم من الأشياء هو طريقة تفكيرنا بها“.

قواعد الفيلسوف شوبنهاور عن السعادة مثلًا تؤكد علينا: ”هناك الكثير من الأمل في غياب الأمل“.

أي أن التحرر من الأمل، بشكل ما، يعني التحرر من خيبة الأمل.

مع تلك النظرية، أعيد تشكيل سؤالي: ”ماذا لو وجدت الحب؟“

ليصبح:

”وماذا لو لم نجده؟“

أدرب نفسي على التصالح مع اللايقين. مع انعدام وجود ضمانات، على أقل تقدير. على عدم تعليق سعادتنا وتعاستنا على من أحببناه أو سنحبه. ألا نخذل أنفسنا قبل أن نطلب ذلك من الآخرين.

تقترح الكاتبة هيذر هافريلسكي في رسالة لها لأحد قراء بابها ”اسأل بولي – Ask Polly“ ما يلي:

تخيل نفسك وحيدًا بعد عشرين عامًا، تخيلت، عظيم، ما هي جوانب الصورة التي تبدو سيئة؟ كيف يمكنك تعديلها لجعلها أقل كآبة؟ عندما كنت في الثانية والثلاثين من عمري قررت أن امتلاك منزل وتبني كلب سيساعدني على الشعور بأنني أقل انتظارًا للحب.

كنت محقة: فالعمل في المنزل أو الحديقة منحني شعورًا رائعًا بأنني سأعيش حياة جيدة حتى لو لم ينجح أي شيء آخر. فهمت كيف يمكن للإنسان أن يكون سعيدًا وحده.

بتخيل تلك الصورة كنت لأكون في ريف إيطالي أربي سربًا من الأوز ومعزتين في حقل ورود، لا فلتكن مزرعة خيول. لأكون جديرة بحلمي هذا تعلمت صناعة الحلوى الإيطالية التيراميسو.

أشطب هذه الصورة لأنها هادئة أكثر مما ينبغي، أستبدلها بمكان صغير كعود الكبريت في منطقة حيوية فوق متجرٍ للكتب افتتحته ليأتي الناس لتبادل الحكايات وشرب الشوكولاتة الساخنة.

أضع كل هذه الصور جانبًا، سواء كانت مفرطة الخيال أو مغرقة في الواقع.

وأفكر أن الحب هو تلك الابتسامة السمحة التي نمنحها لأنفسنا قبل أن ننتظرها من الغرباء، هو تلك المساحة التي نراها ونخلقها كل يوم لأنفسنا، ولكل من نحب.

كتاب ”التداوي بالفلسفة“، سعيد ناشيد، دار التنوير

Ask Polly – What If I Never Find Love?

https://www.thecut.com/2014/11/ask-polly-what-if-i-never-find-love.html

شارك هذا الـمقال