⁠الخامسة عصرًا
٣٧٣ كلمة

ما إن أُتيحت النسخة الجديدة من فيلم حكاية لعبة في السينما، حتى سارعت لحجز النسخة المدبلجة بالمصرية. احتجّت أختي الصغرى: «نبغاه بالإنجليزي.» ليتحول الأمر إلى خلافٍ طفولي، أشعله حنينٌ متعطش لسماع اللهجة المصرية، المرتبطة بشخصيات كبرت معها.

في البداية، ظننت أن تفضيلي اللهجة المصرية مجرد رغبة عادية لا تحمل في طياتها أي تفسيرات، لكنني أدركت أنها رغبة نابعة من حاجة ملحّة لإحياء شعورٍ عشته في طفولتي.

فبالرغم من أن الفصحى هي اللغة الأعم والأشمل في مجال الدبلجة الكرتونية، وهي ما كبرت على سماعه، إلا أن اللهجة المصرية كان لها وقعٌ مختلف؛ استطاعت من خلاله أن تصنع في ذاكرتي وذاكرة أجيال الوطن العربي حنينًا فريدًا، جعل منها ذاكرةً وجدانية زرعت فينا شعورًا بالألفة والانتماء.

وما زاد اللهجة المصرية نجاحًا في تلك الصناعة هو ارتباطنا التاريخي بفنها؛ فقبل أن تغزو ديزني، كان لها حضور في كل منزل عربي، ارتبط بأسعد لحظات حياتنا. فهي صوت ضحكاتنا على نكات سمير غانم، وصوت طربنا مع عبد الحليم حافظ، ولهجة افتتاننا برقة فاتن حمامة.

وامتدت هذه الألفة حتى وصلت إلى شخصيات كرتونية صنعت طفولتنا، فلم نكن نتلقاها بوصفها لهجةً أخرى، وإنما بوصفها صوت «وودي»، و«سيمبا»، و«شلبي».

عندما نمرّ بمشهد ارتبط بطفولتنا، فإنه يعيد إحياء نسخة قديمة من أنفسنا؛ نسخة اختبرت الأمان، والدهشة، والدفء لأول مرة.

تشير الأبحاث إلى أن الأفلام والموسيقى من أكثر الوسائط قدرةً على استحضار تلك المشاعر المرتبطة بذكرياتنا، وهو ما اعتمدت عليه ديزني في إعادة إنتاج أفلامها.

لكن ما افتقده العرب كان اللهجة التي كانت جزءًا لا يتجزأ من ذلك الحنين، وهو ما دفع كثيرين ممن كبروا على دبلجة أفلام ديزني إلى إطلاق حملة «ديزني لازم ترجع مصري»، بعد أن توقفت الدبلجة لعشرة أعوام، استُبدلت خلالها بالعربية الفصحى، واستُبدلت معها ذكرياتهم وعواطفهم.

كما وجدت الدراسات أن النوستالجيا تزداد في أوقات الأزمات وعدم اليقين. فخلال جائحة كورونا، ارتفع الإقبال على الأفلام والأغاني القديمة، لأن العودة إلى المألوف تمنح الإنسان شعورًا بالاستقرار، وتذكره بأن الحياة حملت لحظات جميلة من قبل، ويمكن أن تحملها مرة أخرى.

وهذا تمامًا ما احتجت إليه عندما رغبت في مشاهدة فيلم «حكاية لعبة»؛ وكأنني كنت أبحث عن لحظة دافئة من طفولتي، ألوذ بها من ثقل متطلبات حياة الكبار، فلم أستطع التنازل أو المساومة على لحظةٍ ناقصة. فرغبتي في مشاهدة «حكاية لعبة» بالمصرية كانت اشتياقًا إلى شعور، أكثر من كونها مجرد تفضيل للهجة.

شارك