شعورٌ بالإحباط الممتزج بالدهشة يتسلل ليغيّر ملامح وجهي..
كان ذلك في متجر أدوات الخياطة، تحديدًا بعدما طلبتُ من البائع ”لضامة إبر“.
لم أكن أتوقع أن أجد البائع يضع في كفّي تلك القطعة من المعدن الرخيص، المحفور عليها نقشٌ مشوَّهٌ..
؟! هل هو وجه؟ أم مربع؟
أخذتُ القطعة، وأخذتُ أتأمل تفاصيلها البالية طوال طريق عودتي للمنزل.
كان مصدرُ دهشتي، وحزني، هو تلك المقارنة التلقائية التي عقدها عقلي؛ فآخرُ صورةٍ بصريةٍ محفوظةٍ في ذاكرتي لتلك الأداة كانت مختلفةً تمامًا.
كانت قطعةً قويةً من المعدن الفضي اللامع، نُقِشت عليها بدقةٍ بالغةٍ صورةٌ جانبيةٌ لوجهِ امرأة، تُجاورها كتابةٌ فرنسيةٌ أنيقة. كانت تأتي ملفوفةً بعنايةٍ داخل ورقةٍ خضراء، أو بيضاء تزينها خطوطٌ ذهبيةٌ تبعًا لعلامتها التجارية، وبداخلها كُتبت طريقةُ الاستخدام بشكلٍ وافٍ ومنظَّم.
يقال إن وجه المرأة الموجود على اللضامة يختلف باختلاف بلد المنشأ والعلامة التجارية؛
فقد تحمل وجه الملكة فيكتوريا، وقد تحمل وجه الأمير ألبرت.
وقد تحمل رمز ورقة البرسيم..
لكنها في كثير من الأحيان، كانت تحمل وجه إلهة الحرف والنسيج «مينيرفا»، أو وجه «أراكني»؛ تلك الفتاة البشرية الماهرة التي تحدّت مينيرفا في الأسطورة اليونانية من فرط براعتها في التطريز، حتى حوّلتها الإلهة الغيورة إلى عنكبوت محكوم عليه بالغزل إلى الأبد!!.
كانت تلك القطعُ الفريدة مخزنةً بأمانٍ داخل صندوق جدتي للحياكة؛ ذلك الصندوق البديع الذي ورثته عن جدتها، وتناقلته نساء العائلة من الجدات والعمات.
فالحياكة والتطريز كانتا هواية الأسرة الأولى وشغفها، فعند دخولك منزل جدتي، ستجد خالتي تحيك الملابس، ووالدتي تصنع مفارش «الكانفا» أو «الكروشيه فيليه»، وجدتي تطرز أطراف أغطية الرأس لتمنح الأقمشة قليلًا من السحر.
كان كلُّ شيءٍ مصنوعًا بإحسانٍ بالغ؛ الأظرف الورقية التي تحفظ إبر الحياكة، واللضامات، وبكرات الخيوط. كانت تأتي في علبٍ جميلةٍ صُمّمت بعناية، كُتبت عليها العناوين بخطوطٍ كلاسيكيةٍ مميزة، وألوانٍ مبهرةٍ للعين، تزينها زخارف ورسوم بديعة.
لا أعلم كيف يمر الزمان، ويبتلع وحشُ الاستهلاكية جمالياتِ الحياة اليومية، ليصبح كل شيء من حولنا مبتذلًا، ورخيصًا، ومشوَّهًا.. بلا شكل، ولا روح، وبلا قصة أو ذاكرة.
– من دفتر يومياتي
١٣ يونيو ٢٠٢٦