الثانية ظهرًا
٤٣٩ كلمة

أتذكر أحيانًا في عمري هذا -بعد الثلاثين- مواقف من طفولتي وأشعر بالأسى كأنها حدثت بالأمس. وربما حين أمارس هوايتي في الاستماع للآخرين، أستمع لقصص بعض الناس في مراحل عمرية أبعد بكثير، يتحدثون بنفس الأسى عن ذكريات حدثت من سنوات طوال.

لا أنسى جلسة طويلة مع جدة تحكي عما فعلته أمها بها وتبكي في نهايتها. صدمات الطفولة ككل شيء آخر، كالنقش على الحجر، ربما لأنها أول خوف نختبره من المصدر ذاته الذي نتوقع أن نجد فيه الأمان.

هل يعني هذا أن علينا أن نيأس؟

هل سنتعذب للأبد ونحن نتذكر ما حدث في طفولتنا؟

انتهت حلول الأرض وليس أمامنا غير الاستسلام؟

في الحقيقة -لحسن الحظ- وبعد كثير من البحث، وجدت أنه ربما يكون هناك أمل في التعافي. وأنه -على عكس ما أخبرتنا به صفحة قطوف وحكم– فالمجروح من عائلته يمكن أن يشفى. لكن -كأي شيء آخر- يتطلب الأمر بعض الصبر والمجهود.

الخطوة الأولى -والأصعب عادة- هي الاعتراف.

مهما كبرنا يظل الطفل بداخلنا يرفض تصديق أن أهلك قد أذوك فعلًا. نقضي حياتنا ننتقل من آلية دفاع لأخرى؛ ننكر أن هذا حدث فعلًا، أو نفسره على نحو آخر، أو نلتمس أعذارًا لم تكن موجودة، أو نقلل من أثر ما حدث علينا، أو حتى نتهم أنفسنا بأننا السبب فيه.

نفعل كل هذا لتفادي مواجهة الحقيقة: نعم لقد تأذيت، وهذا الأثر مستمر للآن حتى بعد أن كبرت. ونعم، أهلي هم من أذوني.

ولا يعني إدراك الأذى أن هذه دعوة لكراهية الأهل أو مراكمة الغضب منهم، لأن الحياة مع الغضب مستحيلة. لكن على العكس، الفهم يساعدنا على معرفة لماذا حدث ما حدث، وفهم جذوره، وبالتالي تجاوزه بالوقت.

بعد خطوة الاعتراف يأتي دور:

العلاج من الجذور

تذكر ما حدث فعلًا وتحليله ثم التفكير في تجاوزه. يمكننا فعل هذا بمفردنا عن طريق الكتابة مثلًا، والكلام مع الأصدقاء، والتحرر من ثقل حمل مشاعرنا بمفردنا. ربما يمكننا تثقيف أنفسنا وتعلم وضع حدود للأذى ولأثره.

وربما يمكننا الاستعانة بـ الطب النفسي، ولحسن حظنا، إن كان لميزة لحياتنا في هذا الوقت من عمر العالم، فهو زيادة الوعي بالطب النفسي ودوره في تحسين حياتنا الحالية عن طريق معالجة ماضينا.

وفي رحلة العلاج وفهم أنفسنا، يلزمنا فهم أن التعافي ليس خطيًا، ليس علبة دواء ننهيها فنشعر بشكل أفضل. بل هو منحنى، في أيام نشعر بأننا لم نر بؤسًا قط، وفي أيام أخرى ينخفض المنحنى ونشعر كأننا عدنا للنقطة صفر. سنقضي شهورًا وأعوامًا نحاول التعامل مع الحزن والغضب، لكن بمرور الوقت، سنلاحظ التغيير، ونسعد به.

وأخيرًا، فإدراك الأذى ومحاولة علاج أثره، الهدف منه هو أن يكون خطوة لحياة أفضل.

ولا يتحقق هذا إن كنا سنستسلم لعقلية الضحية.

فلو تعرضنا للأذى في وقت ما في حياتنا، لم نكن مسؤولين عنه، فنحن في موضوع المسؤولية الآن عن حياتنا الحالية.

لهذا، فواجبنا، أن نختار أن نصبح أسعد وأهدأ، أو على الأقل نقضي حياتنا ونحن نحاول.

شارك هذا الـمقال