الثانية ظهرًا
٤٣٦ كلمة

لماذا نشعر بأنّ لنا نجمةً ضائعةً؟ ولماذا نحاول دائمًا أن نجدها؟

بأنّ أيدينا تحاول أن تلمس شيئًا في الفراغ القريب؟

وبأن أعيننا تبحث عن الفكرة؟

تلك الفكرة التي سوف تُنقذ حياتنا،

كأننا في فيلم له عقدةٌ واحدةٌ فقط

آخذ القطار كل أسبوعين تقريبًا بين تولوز وباريس. عادةً تكون الطريق أربع ساعات ونصف، إذا كنتُ محظوظةً كفاية بأن أجد تذاكر رخيصة للقطار السريع. لو لم أجد، آخذ القطار الكلاسيكي ذا السبع ساعات، الذي يمرُّ على قرى نائية لا أعرفها.

في كلّ مرةٍ أُجهّز فيها حقيبة سفري الصغيرة، أضع كتابًا للقراءة ودفترًا للكتابة واللابتوب في حال أردتُ أن أشاهد شيئًا ما أو ربما الدراسة، وفي النهاية أجدُ نفسي أمضيتُ الوقت في القطار ما بين السرحان والنوم والموسيقى، بحيث يدور عقلي بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين الذكريات والأحلام والآمال، وأحيانًا كثيرة باللاشيء.

أسرح بحركة الأشياء السريعة من نافذة القطار، وأسرح بتباطؤ المشهد عندما يقترب القطار من محطة ما، وبمناظر الأشجار العملاقة، وبحيرة هنا ونهر هناك.

أسألُ نفسي: لماذا في كلّ مرةٍ أختار ألّا أفعل شيئًا؟ لماذا لا أستفيد من الوقت الذي يمضي بفعل شيء ما؟ لماذا يخونني عقلي؟ ولماذا أشعر بالذنب تجاه الدقائق والساعات؟ ولماذا حركة القطار تغريني لنومٍ أو حتى لتفكير؟ لماذا عقلي يريد أن يصنع اللاوجود داخل الوجود؟ هل مرور الأشياء بهذه السرعة يجعلها بلا قيمة؟ هل وقتي بلا قيمة أيضًا؟ هل للاوجود قيمة؟

في رحلتي الأخيرة إلى باريس، وعلى نغمة أغنية ياسمين حمدان الجديدة ”الحلوين الخسرانين“، أفكّر: ما هذه الحياة العبثيّة التي جعلت فتاة من غزة تعيش بين مدينتين في فرنسا؟ وما هذا العبث في ألّا أجدُ نفسي في أيٍّ من المدينتين، بل أجدها في اللاوجود على متن قطار.

أجدها بين خطوط أفق الجبال الخضراء المارّة من نافذتي كالآلهة الصامتة، وبين غصون الأشجار الملتوية التي تنتظر أشعة الشمس لتستعرض ظلالها. كيف لي أن أجد نفسي هناك؛ في تفاصيل مشهد كهذا؟ كيف لي أن أتمنى أن تكون تلك اللحظة هي النهاية المثالية لأسئلة بلا أجوبة.

عندما شاهدت فيلم الغريب في السينما الأسبوع الماضي، والمبني على رواية ”الغريب“ لـألبير كامو، شعرت بثقل الأيام والكلمات والنظرات، وثقل فعل التفكير بحد ذاته، ولكن في الوقت نفسه شعرت بخفّة فكرة أنّ العبث سوف يكون دائمًا جزءًا من الحياة.

كيف لنا ألّا نتقبّل ذلك بعد أن عشنا جميعًا إبادة أمام أعيننا؟ بعد أن أصبحنا فجأة جزءًا من فترة عارٍ في تاريخ البشرية؟ ربما لذلك أبحث عن اللاوجود في عالم بشع سمح لهذا بالحدوث، في عالم نسي أنّنا متساوون في الوجود.

أنا كـحلوةٍ وخسرانة؛ نجمتي ضاعت بين شوارع غزة الرمادية، والفراغ أصبح قريبًا لأنه حقيقي، وبرأيي ليس هناك أقوى من تقبُّل عبثية الوجود كفعل؛ لإنقاذ حياتنا، واختيار الأمل كنهاية لبؤسنا، وليُقال عنا إننا امتلكنا الشجاعة الكافية للمحاولة.

شارك هذا الـمقال